عرض مشاركة واحدة
قديم 28-10-2011, 04:13 PM   #47
وليد وليد غير متواجد حالياً
عضو شرف

بيانات :- وليد
وليد is on a distinguished road
 
افتراضي

المعري..


أبو العلاء المعري شاعر ومفكر اعتنى بدراسة المذاهب والملل والنحل، وتعمّق في الفلسفة وشغف بالشعر، فكان رمزًا معبّرًا عن سعة الأفق ونضج الأفكار، وراى فيه الأدباء والمفكرون مثالاً رائعًا للثورة والتمرد، والجواهري واحد من المبدعين الذين رأوه رؤية واعية رائعة في قصيدته «قف بالمعرة».
محمد مهدي الجواهري شاعر نجفي المولد، عراقي الهوى والتفكير، وهو شاعر العرب الكبير في القرن العشرين، ومَن يُردْ أن يقرأ تاريخ العراق السياسي والاجتماعي والفكري في ذلك القرن، فليقرأ شعر الجواهري، لأنه يجسّد بصدق الأحداث الجسام المتتالية التي مرّت على العراق، ويجسّد حياة ذلك العملاق الذي عاش متمردًا ثائرًا على الطغاة والمستعمرين الذين تاجروا بحياة الشعوب. لقد كانت لغة الشعر عنده دون أدنى ريب «ذات أصول نحوية وصرفية ودلالات معجمية وصور بلاغية وجمالية». ومما لاشك فيه أن الجواهري عاش حياته غريبًا مطاردًا حتى وفاته في دمشق عام 1997، وترك لنا هذا المبدع تراثًا شعريًا ضخمًا امتد على ما يقارب سبعين عامًا، إذ واكب الأحداث العراقية منذ ثورة العراق الكبرى عام 1920م حتى وفاته، وكانت له مساهمات كثيرة ومؤثرة على الصعيدين السياسي والأدبي في الاحتفالات والمنتديات العراقية والعربية والعالمية. وسيكون موضوع البحث هذا قصيدته «قف بالمعرة» التي تُعد من روائع الشعر العربي، معتمدين على المنهج التحليلي للبناء الشعري في نقد القصيدة التي وقف الجواهري من خلالها مؤبنًا الشاعر الكبير أبا العلاء المعرّي عام 1944م في ذكراه الألفية إلى جانب حشد كبير من الأدباء العرب مثل الدكتور طه حسين، والشاعر بدوي الجبل، والشاعر الأخطل الصغير وغيرهم. وقد أمتع الحضور بتلك الرائعة، فالقصيدة الجواهرية «لاتولد بسهولة في لحظة إلهام عابرة، بل هي وليدة معاناة تمتزج بفكر الشاعر ودمه وشعوره، إذ تخلق في نفس متلقيها متعة فكرية ووجدانية وحماسية في آن واحد».

معاناة الاغتراب
وعلى أثر تلك الرائعة، قدم الدكتور طه حسين دعوة شخصية إلى الشاعر لزيارة القاهرة والاحتفاء به هناك، لأنها جاءت مطابقة لأفكاره، وجسّدت له المعرّي السياسي والفكري، فكانت على رأس شعر الشاعر لما تضمنته من أفكار رائعة كما يجب أن يراه، عكست هذه الصورة الرائعة واقع الحياة العربية الاجتماعي، وصياغات فنية وتعبيرات بيانية، فضلاً عمّا تمخضت عنه من دلالات فكرية كانت «منطلقًا للكثير من القضايا التي يعيشها المثقف العربي المعاصر». لقد عاش المثقف العربي أزمة حقيقية في القرن العشرين، ومازالت جرّاء الضغوط السياسية التي ألقت بظلالها على الكثير من المبدعين، فكانوا في غياهب السجون أو تحت الثرى أو نهبًا للهجرة والضياع في بلاد الغربة، وكانت هذه الرائعة نتيجة لذلك. لقد عانى المعرّي الاغتراب في مجتمعه جرّاء جرأته، فاتُهم في دينه وفكره، وكان موضوعًا تراثيًا دسمًا للباحثين. تناول الجواهري شخصية المعرّي من جميع جوانبها، وقد ركّز على الجانب الفكري لأنه المهم الذي يعالج التداعيات المتواصلة، ويضع الحلول المناسبة للأزمات والإخفاقات المتكررة، التي تواجه المثقفين. كان الاستهلال بأفعال الأمر (قف، وامسح، واستوح، وسائل) ذات الدلالات التأملية، التي يحاول الشاعر من خلالها إيقاظ مشاعر المتلقي ليبصر الواقع، فكانت ضربات متلاحقة لإحداث التوتر في ذهنه أولاً.
وثانيًا: خلق استجابة فكرية لاستيعاب التراث من خلال الألفاظ الأخرى ذات التراكيب الفخمة التي توافرت في مستهل القصيدة، لأن الاثنين السالفين معًا «يقلقان ذهن المتلقي، ويفصلانه عن جوه الاعتيادي ليدخل جوّا خاصًا يخلقه الشاعر ويفرضه منذ أول بيت». وفضلاً عن هذين العاملين، يقف المكان (معرّة النعمان) ليعطي الفضاء الشعري بعدًا دلاليًا يغور إلى أعماق التاريخ، مستعينًا بالتشخيص الذي أبدع الشاعر في استخدامه أسلوبًا للخطاب الشعري في استنطاق ذلك المعلم التراثي الذي أضحى يصارع الزمن ويفرض بقاءه بقوة. وإلى جانب التشخيص كانت الاستعارة الفن البلاغي الآخر، الهدف منه تقريب الصورة من ذهن المتلقي كي تكون الرسالة الإبداعية واضحة ومؤثرة، فالمسح عن خد المعرّة يعني إعادة قراءة تراث ذلك المبدع وتأمل مضامينه الفلسفية والفكرية، وإسقاطها على الواقع. لقد خاطب الجواهري المثقفين لاستشراف الحاضر واسترجاع بعض القيم الفكرية والحضارية الرائعة قائلاً:
قفْ بالمعرةِ وامسحْ خدَّها التَّرِبا
واستوحِ مَنْ طوّق الدنيا بما وهَبَا
واستوحِ مَنْ طبّب الدنيا بحكمتِهِ
ِومَنْ على جُرحِها من روحِهِ سكَبا
وسائِل الحفرةَ المرموقَ جانبُها
هل تبتغي مطمعًا أو ترتجي طلبا
إن أفعال الأمر في النص تخلق أجواء محفّزة للمثقف ليقرأ كنه هذا الرمز ليسبر غوره، فضلاً عن أنها تعكس لنا تفاعل الجواهري مع المعرّي وإبراز محاور شخصيته بشكل جلي. أهم مرتكزات قصيدة الجواهري هذه:
1 - فلسفة أبي العلاء المعري .
2 - فقدان البصر.
3 - مأساته ومواقفه من الحياة وملاذّها.
4 - الواقع.
عدد أبيات القصيدة 91 بيتا منشورة في ديوان الشاعر الجزء الثالث الذي جمعه وحققه وأشرف على طبعه د. إبراهيم السامرائي، د.مهدي المخزومي، د. علي جواد الطاهر، ورشيد بكتاش، طبعة وزارة الإعلام العراقية 1974م. لقد قدمت القصيدة الأسباب والنتائج والمعالجات لتلك الإخفاقات، ووضعت بعض الحلول المناسبة لتجاوز التداعيات التي رافقت حياة المعرّي ومازالت تتفاقم، فاستشرف الماضي لغرض إسقاطه على الحاضر.
فلسفة المعري
أبو العلاء المعري شاعر ألمّ بفكر العرب وثقافتهم، ويمتلك شخصية قوية استمدت من تلك الثقافة رموزها الفلسفية ومعانيها، فكانت القصيدة عنده غير خاضعة «إلى القراءة الأولى لأن رموزها ذات دلالات فنية موغلة في الخصوصية ومرتبطة بتأمل فلسفي عميق وبتراث العرب الأسطوري والفكري القديم»، فكان هذا الرمز موضوعًا ثرّا للشاعر الجواهري الذي يمتلك فكرًا وقّادًا وثقافة واسعة واستيعابًا للتراث واستثمارًا عميقًا لرموزه، فجاء شعره متفرّدًا في القرن العشرين ببنائه وصوره فاستحق بجدارة لقب «شاعر العرب الكبير»، فضلاً عن أنه لم يتبع خطى مَن سبقه من الأعلام، وإنما جاءت قصيدته علائية في موضوعها وبنائها الفني والفكري، لتجسّد تلك الموهبة الفذة والحياة البسيطة الفقيرة، وأن تلك الأسباب هي سر الإبداع الشعري لتكون منطلقًا لمخاطبة المثقف للاقتداء بهذا المفكر الذي هكذا رآه الجواهري:
على الحصير..ِ وكوزٍُ الماء يرفُدُه
وذهنُه... ورفوفٌ تحملُ الكتبا
أقامَ بالضجَّةِ الدنيا وأقعدَها
شيخٌ أطل عليها مُشفِقًا حَدِبا
بكى لأوجاعِ ماضيها وحاضرِها
وشامَ مستقبلاً منها ومُرتَقَبا
وألهمَ الناسَ كي يرضوا مغبّتهم
أن يوسِعوا العقلَ ميدانًا ومضطربا
فالحصير وكوز الماء والذهن المتوقد والكتب خطوط عامة لثقافة المعرّي ، التي استشرف الجواهري من خلالها الربط بين الماضي والحاضر، وكأن الشاعر أراد أن يوحد الأزمنة المتحركة تحت ميدان العقل العنصر الرئيس الذي يتحكم بها على وفق رؤية إبداعية، وقد كانت الثنائيات عماد الصورة فـ (أقام وأقعد وماضٍ وحاضر... إلخ) من العناصر المهمة في النص التي ساهمت في توهج الصورة وإعطائها حركة اهتزازية متناغمة تكشف عن إبداع شعري واستثمار للغة في أروع ما يمكن أن تكون عليه من حيث الدلالة والتركيب، فجاء السياق مستوعبًا لأفكار الجواهري التي صبّها في القصيدة فازدادت صورة ذلك الشيخ ألقًا وتوهجًا من خلال رؤيته الثاقبة للواقع، وقد قدمه الشاعر في أبهى حلّة، فالشيخوخة مرحلة النضج والاكتمال الفنيين، والعقل بؤرة كل شيء وإليه يجب أن نحتكم. لقد هيمن الفعل الماضي على الخطاب الشعري في بدء القصيدة، وهذا أمر منطقي لأن الخطاب يغور بعيدًا إلى المعري في القرن الرابع الهجري، أما أفعال المستقبل فهي خطاب موجه إلى المثقف في القرن العشرين الذي يجب أن يتحرر من عقد الماضي وينتبه إلى المستقبل من أجل بناء فكري متقدم.
بعد الفقر المادي والإهمال اللذين عاناهما المعري كان الحرمان من نعمة البصر منذ الصغر، الذي جعله يغور بعيدًا في قراءاته متأملاً الحياة وفلسفتها ومصير الخلق، وهذا كان مدخلاً للجواهري لأن يجسد لنا صور الأحاسيس والمشاعر بدقة عند المعرّي الذي استوعب واقعه استيعابًا تامًا، فكانت صور الجواهري دقيقة عميقة وكأنه يرى المعري شاخصًا أمامه. لقد اجتمعت عبقريتان في هذه القصيدة، الأولى: جواهرية والثانية: علائية، هكذا رآها الشاعر:
تلمّس الحُسْنَ لم يمدُدْ بُمبْصرةٍ
ولا امترى درّةً منها ولا حلبا
ولا تناوَل من ألوانِها صورًا
يصدّ مُبتَعدًا منهن مقتربا
لكن بأوسع من آفاقها أمدًا
رحبًا وأرهفَ منها جانبًا وَشَبَا
«تلمّس» تحيلنا إلى مرجعية الصورة اللمسية المتخيلة التي كان يبصر من خلالها المعرّي حياته ويتحسسّ ألوانها، كانت الرؤية القلبية عند المعرّى عمادًا لصورة الجواهري البصرية، فضلاً عن الثنائيات (مبتعد - مقترب... إلخ) التي أسهمت في عنصر الشد والجذب داخل النص وكان العقل مركز الإدراك والرؤية العلائية. إلى جانب ذلك كان الفاعل ضمير الغائب (هو) الذي يعد من أبرز عناصر الصورة، ومما زاد تأثيرها في المتلقي اشتغال الحواس الأخرى مثل حاسة اللمس والإدراك وفطنة المعرّي وذكائه في تحديد الأشياء واستيعابها، فكان السمع واللمس معادلين موضوعيين لنعمة البصر المفقود، وبذلك يكون الجواهري قد استوعب حياة المعرّي استيعابًا تامًا.
وبعد الفقر والحرمان من نعمة البصر، انتقل الجواهري إلى العنصر الآخر في حياة المعرّي وجعله محورًا رئيسًا في بناء قصيدته ألا وهو موقفه من المرأة وعزوفه عن الزواج وعفته الرائعة، ذلك الموقف السلبي الرافض لفلسفة الحياة الاعتيادية التي رآها المعري أشبه بالمسخرة فرفض كل ملاذها ونقلها لنا الجواهري بدقة:
يا عاريًا من نَتاجِ الحُبِّ تكرمَةً
وناسجًا عفّةً أبراده القشبا
الخطاب الشعري اعتمد على صيغة المخاطَب الغائب وهو المعرّي الذي استحضره الجواهري وحاوره حوارًا مباشرًا عن التقلبات الفكرية المفزعة بأسلوب اسم الفعل «حاشاك» منزها إياه عن الشطط، وأن حبّه كان حبًا روحيًا عفيفًا ساميًا «إذ افتقد حوّاءه في البشر راح يتلمّس أخرى بديلة في مظاهر الطبيعة والكون كي تبدد عذاباته وتؤنس وحشته، ولهذا تجده يستلب من الأولى - أخصّ صفاتها في الخصوبة وديمومة الحياة وجمالية المظهر ويهبها عن طيب خاطر إلى أنثاه الأخرى».
لقد كانت عوالم المعرّي خاصة محسوسة ومرتبطة بطبيعة حياته:
حاشاك، إنك أذكى من الهوى نفَسًا
سَمْحًا وأسلسُ منهم جانبًا رَطبَا
لا أكذبنّك أن الحبَّ متهمٌ
بالجورِ يأخذُ منا فوقَ ما وهبا
كم شيّع الأدبُ المفجوعُ محتضرًا
لدى العيونِ وعند الصبرِ محتسَبًا
لقد عالج الجواهري الجوانب النفسية للمعرّى من خلال توظيف الألفاظ لتعطي مفهومًا دلاليًا يحدث مفارقة داخل اللفظة نفسها ليصل إلى نتيجة رائعة بأن المعرّي استطاع كبح جماح الرغبة عن طريق المجاهدة والاقتناع بما هو سالك، وهذا الطريق قاده إلى الخلود على مر العصور:
هل كنت تخلدُ إذ ذابوا وإذ غَبَروا
لو لم تَرُضْ من جماحِ النفس ما صعُبا
الجواهري استحضر المعرّي وخاطبه خطابًا فكريًا نفذ من خلاله إلى نفس المثقف الآن، ليعالج الأزمات الحادة التي يعانيها:
أجللتُ فيكَ من الميزاتِ خالدةً
حريةَ الفكرِ والحرمانَ والغضبا
مجموعةً قد وجدناهنّ مفردةً
لدى سواكَ فما أغنيْننا أرَبَا
الجواهري معجب بفلسفة المعرّي أيّما إعجاب ولاسيما محاور الشخصية التي طرحها النص وهي حرية الفكر والحرمان والغضب، وقد اجتمعت في شخص المعرّي بيد أنها لا تجتمع عند الآخرين أو تتوافر حصيلة دون أخرى «فعنصر الفلسفة محور في حرية الرأي، وعنصر العمى محور في الحرمان، وعنصر الهوى محور في الغضب، فالجواهري أراد تحقيق معادلة بين تلك العناصر التي تميّز الأديب الحقيقي والفنان المبدع من غيره».
لقد كانت فلسفة المعرّي في الحياة فريدة من نوعها، فلم يعبأ بها ولا بملاذها، ولم تغرّه، بيد أننا من خلال استقراء مفردات الحياة، نلاحظ أن بعض الناس تغريهم، وأحيانًا تغري صاحب الرأي الحصيف وهذه مفارقة فيكون إبداعه ناقصًا أو مشوها:
فرُبَّ ثاقبِ رأي حطَّ فكرتَه
غنمٌ فسفّ وغطّى نُورَهَا فَخَبا
وأثْقلَتْ متْعُ الدُّنيا قوادمَه
فما ارتقا صعدا حتى ادَّنى صَبَبا
بدا له الحقُّ عُريَانًا فلم يَرَه
ولاح مَقْتلُ ذِي بغيٍ فما ضَرَبا
هكذا رأى الخلفُ السلفَ، أو جسدّ أفكاره وما يختلج في نفسه، وقد بني النص على المفارقة الشعرية فكانت «ارتقى صعدا» تقابلها «ادّنا صببا»، «وبدا له الحق» تقابلها «فلم يره»، و«لاح مقتل ذي بغي» تقابلها «فما ضربا». إن هذا البناء الشعري يحيلنا إلى واقع المجتمع وإغراءات الحياة ومدى انقياد بعضنا إليها، وعزوف القليل الذي يتحلّي بالصبر والحكمة والقناعة عنها، وأن حرمان المعرّي نتج عنه التمرد والرفض لما يحيط به من علاقات زائفة، وهذا هو الصنف الثاني الذي عبّر عنه الجواهري:
وربَّ راضٍ من الحرمانِ قِسْمتَه
فَبَرَّر الصَّبْرَ والحِرْمَانَ والسَّغَبا
أرْضَى وإنْ لمْ يشأ أطْمَاحَ طاغية
وحال دون سوادِ الشّعب أن يَثِبَا
وعوَّضَ النّاسَ عنْ ذلّ ومَتْربةٍ
من القناعَةِ كنْزَا مانِحًا ذَهَبا
هذا الصنف من الناس يقف المعرّي في مقدمتهم، أو هكذا رآه الجواهري تغيرًا حكيمًا رائعًا يهب الناس العلم والمعرفة على مر العصور.
ماذا عن الواقع؟
هذا هو المرتكز الآخر في القصيدة فالمثقف طالته يد الحرمان والجور، وكان كالشمعة التي تحترق لتضيء الدرب أمام الآخرين، وكانت أسئلة الجواهري متعاقبة في النص، فسعى إلى «إقحام ذاته في مضمون المحادثة لتكون شاهدًا على العصر وناطقة باسمه».
إن موهبة الجواهري أعطت النص دفقًا إضافيًا رائعًا:
أبا العلاءِ وحتى اليومِ ما بَرِحَتْ
صنّاجَةُ الشِّعْرِ تَهْدِي المترَفَ الطّرَبا
...................
وأن للعبقري الفذِّ واحدةً
إما الخلودَ وإما المالَ والنّشبا
من قبل ألفٍ لو أنّا نبتغي عظةً
وعظْتَنا أنْ نَصُونَ العِلْمَ والأدَبا
المعرّي لم يكتب الشعر لترف أو طمع مادي، بل إنها الموهبة والعبقرية التي كتبت له الخلود والبقاء، ولكن هل كان سلوكه عظة للشعراء اللاحقين؟
هذا هو السؤال الذي يبحث عن الإجابة التي ربما تكون نعم، وربما تكون لا، ولكل جواب مسوغاته، وهذا تصنيف للشعراء سيبقى قائمًا أبدًا، الجواهري يعيد الكرّة ثانية، لعله يوقظ مشاعر مَن أغوتهم الدنيا وحب المال على حساب الإبداع.
لقد جسّد الحالة السيكولوجية والنفسية للمعرّي، فكانت الصورة ناطقة صادقة في التعبير لتحقيق دلالات متداخلة داخل النص، شعر الجواهري كان مفعمًا بالرموز التراثية التي تعبّر عن قضايا فكرية قديمة جديدة هي صراعات غير منقطعة:
لثََوْرَةِ الفِكْرِ تأريخٌ يحدّثُنا
بأنَّ ألف مسيحٍ دونها صُلبا
المسيح أصبح رمزًا لكل صاحب مبدأ أو فكر حر، فإذا ما قتل شبّهناه بالمسيح، لذا جعله الجواهري مقترنًا بثورة الفكر على الصعيدين الماضي والحاضر، فلخص لنا «موقفًا معاصرًا متطورًا في المشاعر من خلاله لوحة تحمل من بصمات العصر وعنفه واضطرابه أكثر من حكمة الماضي الغابر»، لقد أنشأ الجواهري دعائم هذه الرائعة على أن الفكر المتدفق هو نقيض الجهل المتفشي والمتمثل بالحكام الذين تسلطوا على رقاب الناس منذ الأزل:
وهؤلاء الدّعاةُ العاكِفونَ على
أوْهَامِهم صَنَمًا يُهدونه القُربَا
الحابطونَ حياةَ الناسِ قد مَسَِخُوا
ما سن شرعٌ وما بالفِطْرَةِ اكْتُسبَا
والملصقونَ بعرشِ اللهِ ما نَسَجَتْ
أطْماعُهم بِدَعَ الأهْواءِ والرّيبَا
لقد استخدم الشاعر اسم الفاعل في بناء الجملة الشعرية كي يعطي الأسلوب الشعري طابعًا سرديًا متعاقبًا ويتلاءم مع واقع الحياة الفكرية والاجتماعية في العراق، وما آلت إليه من تدنٍ في المستويات كلها بسبب ضعف الجانب السياسي وتواضع المستويات الإدراكية والثقافية عند عامة الناس واقتناعهم أن الحكام يجب ألا يجابَهوا بالعصيان، وهذه طامة كبرى. وقد استغل الحكام ضحالة التفكير تلك من أجل تحقيق مآربهم، وذلك ما أحدث ردة فعل عكسية عند المثقفين في تمرّدهم على السلطة.
وإن من حِكْمَةٍ أن يجتني الرّطَبا
فرد بجهدِ ألوفٍ تعلك الكُرَبا
معادلة غير متكافئة وحقيقة مرّة تلك التي صرّح بها الجواهري وهو يرى شاعرًا مبدعًا قبل أكثر من ألف سنة وقف الموقف نفسه من تلك التداعيات رافضًا استغلال الآخرين لبعضهم فثار على الظلم والاستغلال فاتُّهم اتهامات عدة. أفاد الشاعر من تراثه اللغوي، وهذا يبيّن لنا سعة ثقافة الجواهري وهيمنته على تقنيات النص الشعري، فأكثر من استخدام الأفعال المتباينة في أزمنتها على وفق متطلبات النص لخلق توتر وديناميكية، فضلاً عن استخدام الأفعال المضعفة التي تعطي المعنى قوة في التأثير والدلالة، وأن الفعل له قدرة على «التغير والتحول نظرًا إلى طاقته الحركية زمنيًا وصرفيًا. وتأتي هذه الحركة أيضًا من تلون الفعل تعديًا ولزومًا، وتمامًا ونقصانًا وتجريدًا وزيادة، فضلاً عن بنائه للمعلوم والمجهول»، وتوظيف مشتقاته من أجل إضفاء السردية على النص:
رأسٌ من العصب السّامي على قفصٍ
من العظام إلى مهزولةٍ عُصِبا
أهوى على كوّةٍ في وجهه قدَرٌ
فسَدَّ بالظلمة الثّقْبَين فاحتجبا
طريقة الجواهري في رسم الصورة طريقة التجريد أو الوصف أحيانًا لينقلنا إلى الأجواء الحقيقية التي عاشها المعرّى ، وأفصحت هذه القصيدة عن تربع الجواهري على عرش الشعر العربي في القرن العشرين من خلال بنائه الشعري وتراكيبه الفخمة وتجسيد العوالم السالفة بدقة، فكان التراث رافدًا ثرّا للشاعر الحديث. ويبدو واضحًا من خلال القصيدة الاغتراب الفكري الذي عاناه المثقف منذ حقب قديمة وأغرب الغرباء من عاش غريبًا في وطنه:
عانَي لَظَى الحُبِّ، بشارٌ وعُصبتُه
فهل سِوى أنَّهم كانوا له حَطبَا
المبدعون منذ حقب كانوا ضحية لا لذنب اقترفوه، بل لأنهم مبدعون، وظروف المثقف اليوم مليئة بالمعاناة والحرمان. لقد استوعب الجواهري ظروف المعرّي ، فكانت قصيدته صادقة في تعبيراتها ذات لغة عالية «تدل على خزين تراثي غزير وعلى نظرة عصرية جريئة بعيدة عمّا يسمّى في بعض الدراسات النقدية المعاصرة الارتجال الفني». إن قصيدة «قف بالمعرّة» كشفت عن ذات مبدعها وهو في قمة النضج الفني، وهذه القصيدة تحدثت بضميري الغيبة والخطاب اللذين يعودان على المعرّي ، وضمير الأنا الذي يعود على الجواهري لأنه محور الإبداع الفني بموسيقى انسيابية لبحر فخم هو البسيط الذي عوّدنا الشاعر أن نقرأ له روائع فنية مثل «يا دجلة الخير» وغيرها.
الجواهري في رائعته هذه، أراد أن يكشف عن تمرّده أو ثورته على واقع مترد، فعاش في أعماق الحدث العلائي ببائيته ذات الروي المنفجر الذي استوعب ارتجاج حرف القلقلة الباء. لقد رأى الجواهري أستاذه المعرّي فكرًا متجددًا كلما يزاح عنه غبار السنين بدا متوهجًا يمنح القادمين دروسًا في الفكر والحياة وثورة على الواقع، محاولاً فتح آفاق جديدة لفهم الحياة التي ينبغي أن تُدرك على وفق رؤيته.
نَوّر لِنَلْ إننا في أي مُدّلجٍ
مما تشكّكْت إنْ صِدقا وإنْ كَذبا
وفي الختام كانت هذه الرؤية البصرية الإبداعية الواعية لشاعر الرؤية القلبية في طليعة الشعر العربي في القرن العشرين، والتي تكشف ايضًا أن المرجعية الذاتية والتراثية رافد من روافد الإبداع الجواهري.

وليد



توقيع :  وليد

 

قمرٌ تغزلتْ النجومُ بحسنِه .... وسبورة .. فيها كل حســـــــــنٍ يفتــــــن
هي فرحةٌ غنت بها أيامها .... نشــــــــــوانةٌ تشـــــدو بها وتُلَــــــــحنُ
عانقتُ فيكِ يا حياتي فرحتي ..... يا من بروحي في فؤادي تســـــــــكن
في مهرجان الحسنِ وجهك مـشرق ... وخطى النجاح من دربك تتمكن
فامضِ رعـــــــاك الله لا تتهاوني ..... ما فاز في اللــــــــــذات إلا متقن

شعر : وليد الصالح

وليد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس