عرض مشاركة واحدة
قديم 28-10-2011, 04:20 PM   #50
وليد وليد غير متواجد حالياً
عضو شرف

بيانات :- وليد
وليد is on a distinguished road
 
افتراضي

مقارنة د. طه حسين
بين المعري وبشار بن برد
د. ممدوح أبوالوي




إذا كان د. طه حسين (1889-1973) قد وجّه انتقاداً لكل من شخصية ابن الرومي، وأبي نواسٍ، والبحتري، وابن المعتز، فقد أشاد بشخصية أبي العلاء المعري (973-1057م). ويرى د. طه حسين أنّ أبا العلاء المعري يتميز عن كلّ الشعراء الذين عاصروه، بأنّه الشاعر الوحيد في عصره، الذي رفض مدح السلاطين والأمراء والتكسب بالشعر، لأنّه كان يكره الكذب،
ويرى أن المال الذي يكسبه الشعراء من المدح، هو مال حرام قد يكون أخذه أمير معين من المظلومين والمقهورين. فالمعري، برأي د. طه حسين أعجوبة دهره، لأنّه الشاعر الوحيد الذي استكبر على التكسب بالشعر. ويقول د. طه حسين: (بل نكاد لا نعرف للشعراء غرضاً واضحاً من شعرهم أكثر من التماس العيش به). ويتابع د. طه حسين: (وجملة القول إنّ الوراثة، وخلق الحياء، وكبر النفس والأنفة من الكذب،والرحمة بالضعفاء، قد اشتركت في حرمان أبي العلاء لذة التكسب بالشعر في طور شبيبته).

وكان أبو العلاء صادقاً وأميناً, ويذكر د. طه حسين الحادثة التالية التي جرت مع المعري في بيت الشريف المرتضى. إذ جرى حديث عن المتنبي (916-966م)، وكان المرتضى يكرهه والمعري يحبه، (فانتقصه المرتضى، وأخذ يتتبع عيوبه. فقال أبو العلاء: لو لم يكن له إلا قوله:
(لكِ يا منازلُ في القلوب منازلُ)
لكفاه. فغضب المرتضى وأمر بإخراجه، ثم قال المؤرخون: سحب برجله حتى أخرج. ثم قال المرتضى لمن حضره: أتدرون لمَ اختار الأعمى هذه القصيدة دون غيرها من غرر المتنبي؟ قالوا: لا، قال: إنّما عرّض بقوله:
وإذا أتتْكَ مذمَّتي من ناقصٍ
فهيَ الشهادةُ لي بأنيَ كاملُ

وتدل ّهذه القصة على حذق أبي العلاء في التعريض، وقوة المرتضى في الفهم. ويتابع د. طه حسين مدحه لأبي العلاء: (إنّما قضى الرجل حياته ثابت النفس، راجح الحلم، مصيب الفكر، قوي العقل، صادق الذوق، معتدل المزاج إلى أن أصابه المرض الذي مات فيه).

ويتابع د. طه حسين مدحه للمعري، في كتابه (تجديد ذكرى أبي العلاء) ويقول: (ومن أظهر أخلاقه ضبط النفس، وقهر الشهوات...كان أبو العلاء رقيق القلب، شديد الرحمة، كثير العطف على الضعيف..)، ولأنّ أبا العلاء كان رحيماً، بل كان مفرطاً في الرحمة، حرّم ذبح الحيوان وأكل لحمه، فهو يقول في هذا الموضوع:
فلا تأكلَنْ ما أخرجَ الماءُ ظالماً
ولا تبغِ قوتاً من غريضِ الذبائحِ
ولا تفجعَنَّ الطيرَ وهي غوافلٌ
بما وضعتْ فالظلمُ شرُّ القبائحِ
مسحتُ يدي من كلِّ هذا فليتني
أبهتُ لشأني قبلَ شيبِ المسائحِ
ويتابع د. طه حسين: (كان أبو العلاء كريماً سخياً، طيب النفس، يبذل المال إذا ملكه،... فأمّا وفاؤه لأصدقائه وحفظه لودادهم، فحدّث عنه ولا تخش بأساً).
و يقول د. طه حسين في كتابه الآخر عن أبي العلاء المعري، وهو بعنوان مع أبي العلاء في سجنه(1939): (تقوى في نفس أبي العلاء عاطفتان، كان لهما أعظم الأثر في حياته، وأعظم السيطرة عليها، عاطفة الحياء من جهة، وعاطفة سوء الظن، من جهة أخرى).

ويقارن بين أبي العلاء وبين بشار بن برد (714-784م), فيرى أنّ بشاراً (كان كأبي العلاء ذكي القلب إلى أبعد حدود الذكاء، دقيق الحس إلى أقصى غايات الدقة، قوي الشعور إلى أرقى مراتب القوة، غزير العلم، واسع المعرفة، فصيح اللسان، بارعاً في الشعر، قادراً على التصرف فيه،إلى حيث لم يسبقه شاعر عربيّ, وكان كأبي العلاء ضريراً مكفوفاً. وكان كأبي العلاء فيلسوفاً عميق الفلسفة، مفكراً دقيق التفكير، متشائماً مسرفاً في التشاؤم، سيئ الظن بالناس، سيء الظن بالطبيعة، سيئ الظن بكلّ سيئ, ولكنّه مع ذلك سار في حياته الطويلة سيرة أقل ما توصف به أنّها مناقضة كلّ المناقضة لسيرة أبي العلاء.
إذا كانت سيرة أبي العلاء سيرة طهارة ونقاء وبراءة من الإثم والعيب، فسيرة بشارٍ هي العهارة والدنس والتهالك على الإثم والإغراق في العيب. وإذا كانت سيرة أبي العلاء تواضعاً بل إسرافاً في التواضع، فسيرة بشار هي الكبرياء، بل تجاوز الكبرياء، إلى ما هو شر منه، إلى التيه والغرور.

وإذا كانت سيرة أبي العلاء زهداً في الدنيا، بل إعراضاً عنها, بل بغضاً لها، فسيرة بشار رغبة في الدنيا، بل تهالك عليها، بل فناء فيها).

وأبو العلاء يعذّب نفسه، ويحرمها من تلبية الشهوات,وينصح الآخرين بذلك:

وأمّا الخمرُ, فهي ُتزيلُ عقلاً
فتحتَ به مغالِقَ مُبهماتِ
تذيعُ السرَّ من حرّ وعبدٍ
وتُعربُ عن كنائزَ مُعجَماتِ
فلا تسألْ: أهندٌ أمْ لميسٌ
ثوتْ في النسوةِ المتخيّماتِ
ولا ترمقْ بعينكَ رائحاتٍ
إلى حمّامهنّ، مكمّماتِ

ويتابع د. طه حسين مقارنته بين المعري وبشار بن برد، ويرى أنّهما كانا متشائمين,بشار متشائم، انتهى به تشاؤمه إلى الفجور والإسراف في تلبية الشهوات، والمعري متشائم انتهى به تشاؤمه إلى الطهارة. ويعود ذلك إلى اختلاف المجتمع الذي عاش فيه كلّ منهما، فلقد عاش بشار في بيئة زندقة وفجور، وعاش المعري في بيئة ورعٍ وتقوى. وأسرة بشار فارسيّة فقيرة، وأسرة المعري عربيّة لم تعرف إلا العزة والكرامة والحرية. عاش بشار في عصر الاضطرابات السياسيّة والأخلاقيّة، وعاش المعري في عصر الاستقرار النسبيّ الأخلاقيّ والسياسيّ، فكان بشار لا يعرف الخجل والحياء، وعاش المعري والخجل والحياء أهم صفاته. فكانت غرائز بشار هي المسيطرة على حياته. وأمّا المعري فهو المتحكم في غرائزه. وكان بشار محباً للمال يناله عن طريق المدح أو الهجاء، أمّا المعري فلا يطلب المال لا عن طريق المدح ولا عن طريق الهجاء.

وبذلك فإنّ شخصية المعري شخصية محببة لطه حسين، على عكس شخصية بشار بن برد، ويكتب د. طه حسين في الجزء الثاني من حديث الأربعاء (1924) عن بشار بن برد: (ليس وجه بشار بذلك الوجه المشرق الجذاب، الذي يستميلك ويستهويك، وإنّما هو فيما أعتقد وجه ثقيل الظل)، ويتابع: (كان مسرفاً في النفاق). ويرى أنّه كان زنديقاً وشعوبيّاً ومنافقاً: (كان في حقيقة الأمر فارسيّاً في كلّ شيءٍ, كان فارسيّاً في زندقته، يقدّم النار التي يعبدها الفرس، وكان فارسيّاً في أهوائه وميوله السياسيّة، فلم يكن يحبّ العرب، ولا يرتاح إليهم، وإنّما يحتملهم احتمالاً. كان بشار إذن زنديقاً ممعناً في الزندقة، وكان شعوبيّاً متشدداً في الشعوبيّة، وكان يحتمي بالنفاق أيضاً,... كان شديد الولع بالنساء، وكان يكره الناس ولا سيّما إذا استطاع أن يظهر كراهيته. وكان المعري على عكس بشار، فكان يحبّ كلّ الناس، بل كف أذاه عن الناس وحتى عن الحيوان، كما أسلفنا، وودّ لو يستطيع أن يكف عنه أذى الناس. ويتابع د. طه حسين عن المعري في كتابه (مع أبي العلاء في سجنه) (1939): (فلم يسئ إلى أحدٍ بيدٍ ولا بلسانٍ ولا بنيةٍ)

ويكتب د. طه حسين عن غزل بشار بن برد، فيرى أنّه ليس كثيراً، وليس بالقليل أيضاً، وهو سواء أكان كثيراً أم قليلاً, لا يمثل عاطفةً ولا شعوراً صادقاً، وإنّما يمثل أمرين اثنين: يمثل تهالكاً على اللذة, وإفحاشاً في هذا التهالك، وافتناناً فيه أيضاً دون أن يراقب الشاعر في ذلك خلقاً أو أدباً أو ديناً.وعلى الرغم من أنّ د. طه حسين وجّه انتقادات لاذعة لبشار بن برد, إلا أنّه أشاد بجمال شعره, فيقول عنه: (وكان إلى ذلك نابغةً في الشعر،يكاد ينعدم نظيره في قوة الذكاء، وحدة الذهن.)

ولكن، د. طه حسين يكره سلوك بشار بن برد، ويصفه بأنّه كان أقبح الناس وجهاً, ويرى أنّ بشاراً ضرب بالسوط حتى الموت بسبب هجائه للخليفة المهدي، ويرى أنّ الناس تنفسوا الصعداء حين سمعوا بموت بشار, فحمدوا الله لأنّه أنقذهم من بلاء عظيم.



توقيع :  وليد

 

قمرٌ تغزلتْ النجومُ بحسنِه .... وسبورة .. فيها كل حســـــــــنٍ يفتــــــن
هي فرحةٌ غنت بها أيامها .... نشــــــــــوانةٌ تشـــــدو بها وتُلَــــــــحنُ
عانقتُ فيكِ يا حياتي فرحتي ..... يا من بروحي في فؤادي تســـــــــكن
في مهرجان الحسنِ وجهك مـشرق ... وخطى النجاح من دربك تتمكن
فامضِ رعـــــــاك الله لا تتهاوني ..... ما فاز في اللــــــــــذات إلا متقن

شعر : وليد الصالح

وليد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس