التعليمات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

لا مكان للعنصرية في هذا المنتدى فالكل سواسية ، كما يمنع منعا باتا التطرق للآراء السياسية و قوانين الدول أو التحدث في الشؤون الخاصة للشعوب ، ولتفعيل الاشتراك .. الرجاء مراسلة الإدارة على البريد التالي : almualem_s@hotmail.com


العودة   منتديات السبورة > القسم الاجتماعي > دكة السبورة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-10-2011, 04:07 PM   #46
وليد وليد غير متواجد حالياً
عضو شرف

بيانات :- وليد
وليد is on a distinguished road
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Ỡṃ Ŋầįḟ مشاهدة المشاركة
بدي واحد فتحان أبيض متل الأسنان!

ممكن يكون من لبنان
ولامن شرق أوروبا
والاحتىمن كردستان
لأني حلوي وبيضه من هذول أخلف صبيان


لازم يصير الزول زعلاااااااان



الشعب رامي المستحيل

شعر المكاشفي محمد بخيت


يا بنيه العلمك تاخديني من صدر النعاس
هو الكلمك تدي النصيحه تراب و ناس
حنة أصابعينك جمر
قدلة مشاويرك نحاس
و الضحكة ميدان نجري في
نتكفي لما نقول خلاص
بقي من شقي الرحله القليل
الطار سقف و الباقي ساس
يا السمحة جايينك قريب
راكبين جناح دهشه و حماس
موعدنا في الساحات عصر
وسط الشوارع أقلدك
سودانا مرفوع الجبين
في كل مساحتو بيولدك
ما عاشت ايد ترفع عصاتا و تجلدك
ما عاش منافق دين و دنيا
قطع طريقك جردك
ما انتي ساحات الجميع
مين من عيونك يطردك
الكلمه ليك و الحق يبين
و الثورة غاية تخلدك
ما بتحكمك غابة دقون تضحك عليك
حكما بلا صوتك صفر
ما بتكتمك قمقم نظام
دستورو ما بسوي الحبر
ما بحكمك تلفاز كسيح
صورو المحنطه تنكسر
دباب دفاع...
أنياب... صراع... أورغن عزا
شفع علي ضهر الكوامر و الأذي
نشرات محممه بالجليد
و غنوات مسممه تحتضر
و الشاقي حلقو نبيح مديح
يقرالو أبيات من شعر
مرسوم يقرر مين شهيد
و مين يلقي من شرو الجزا
و الحكم حكاموا السمان
دايرنو لو حاكمين شبر
يا شعب رامي المستحيل ما بتنقدر
الكلمه ليك أول و أخير
كم قلت في التاريخ كلام
حكمه و عبر


___

يا هلا فيك أم نايف بهذه الاختيار المميز



وليد



توقيع :  وليد

 

قمرٌ تغزلتْ النجومُ بحسنِه .... وسبورة .. فيها كل حســـــــــنٍ يفتــــــن
هي فرحةٌ غنت بها أيامها .... نشــــــــــوانةٌ تشـــــدو بها وتُلَــــــــحنُ
عانقتُ فيكِ يا حياتي فرحتي ..... يا من بروحي في فؤادي تســـــــــكن
في مهرجان الحسنِ وجهك مـشرق ... وخطى النجاح من دربك تتمكن
فامضِ رعـــــــاك الله لا تتهاوني ..... ما فاز في اللــــــــــذات إلا متقن

شعر : وليد الصالح

وليد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-10-2011, 04:13 PM   #47
وليد وليد غير متواجد حالياً
عضو شرف

بيانات :- وليد
وليد is on a distinguished road
 
افتراضي

المعري..


أبو العلاء المعري شاعر ومفكر اعتنى بدراسة المذاهب والملل والنحل، وتعمّق في الفلسفة وشغف بالشعر، فكان رمزًا معبّرًا عن سعة الأفق ونضج الأفكار، وراى فيه الأدباء والمفكرون مثالاً رائعًا للثورة والتمرد، والجواهري واحد من المبدعين الذين رأوه رؤية واعية رائعة في قصيدته «قف بالمعرة».
محمد مهدي الجواهري شاعر نجفي المولد، عراقي الهوى والتفكير، وهو شاعر العرب الكبير في القرن العشرين، ومَن يُردْ أن يقرأ تاريخ العراق السياسي والاجتماعي والفكري في ذلك القرن، فليقرأ شعر الجواهري، لأنه يجسّد بصدق الأحداث الجسام المتتالية التي مرّت على العراق، ويجسّد حياة ذلك العملاق الذي عاش متمردًا ثائرًا على الطغاة والمستعمرين الذين تاجروا بحياة الشعوب. لقد كانت لغة الشعر عنده دون أدنى ريب «ذات أصول نحوية وصرفية ودلالات معجمية وصور بلاغية وجمالية». ومما لاشك فيه أن الجواهري عاش حياته غريبًا مطاردًا حتى وفاته في دمشق عام 1997، وترك لنا هذا المبدع تراثًا شعريًا ضخمًا امتد على ما يقارب سبعين عامًا، إذ واكب الأحداث العراقية منذ ثورة العراق الكبرى عام 1920م حتى وفاته، وكانت له مساهمات كثيرة ومؤثرة على الصعيدين السياسي والأدبي في الاحتفالات والمنتديات العراقية والعربية والعالمية. وسيكون موضوع البحث هذا قصيدته «قف بالمعرة» التي تُعد من روائع الشعر العربي، معتمدين على المنهج التحليلي للبناء الشعري في نقد القصيدة التي وقف الجواهري من خلالها مؤبنًا الشاعر الكبير أبا العلاء المعرّي عام 1944م في ذكراه الألفية إلى جانب حشد كبير من الأدباء العرب مثل الدكتور طه حسين، والشاعر بدوي الجبل، والشاعر الأخطل الصغير وغيرهم. وقد أمتع الحضور بتلك الرائعة، فالقصيدة الجواهرية «لاتولد بسهولة في لحظة إلهام عابرة، بل هي وليدة معاناة تمتزج بفكر الشاعر ودمه وشعوره، إذ تخلق في نفس متلقيها متعة فكرية ووجدانية وحماسية في آن واحد».

معاناة الاغتراب
وعلى أثر تلك الرائعة، قدم الدكتور طه حسين دعوة شخصية إلى الشاعر لزيارة القاهرة والاحتفاء به هناك، لأنها جاءت مطابقة لأفكاره، وجسّدت له المعرّي السياسي والفكري، فكانت على رأس شعر الشاعر لما تضمنته من أفكار رائعة كما يجب أن يراه، عكست هذه الصورة الرائعة واقع الحياة العربية الاجتماعي، وصياغات فنية وتعبيرات بيانية، فضلاً عمّا تمخضت عنه من دلالات فكرية كانت «منطلقًا للكثير من القضايا التي يعيشها المثقف العربي المعاصر». لقد عاش المثقف العربي أزمة حقيقية في القرن العشرين، ومازالت جرّاء الضغوط السياسية التي ألقت بظلالها على الكثير من المبدعين، فكانوا في غياهب السجون أو تحت الثرى أو نهبًا للهجرة والضياع في بلاد الغربة، وكانت هذه الرائعة نتيجة لذلك. لقد عانى المعرّي الاغتراب في مجتمعه جرّاء جرأته، فاتُهم في دينه وفكره، وكان موضوعًا تراثيًا دسمًا للباحثين. تناول الجواهري شخصية المعرّي من جميع جوانبها، وقد ركّز على الجانب الفكري لأنه المهم الذي يعالج التداعيات المتواصلة، ويضع الحلول المناسبة للأزمات والإخفاقات المتكررة، التي تواجه المثقفين. كان الاستهلال بأفعال الأمر (قف، وامسح، واستوح، وسائل) ذات الدلالات التأملية، التي يحاول الشاعر من خلالها إيقاظ مشاعر المتلقي ليبصر الواقع، فكانت ضربات متلاحقة لإحداث التوتر في ذهنه أولاً.
وثانيًا: خلق استجابة فكرية لاستيعاب التراث من خلال الألفاظ الأخرى ذات التراكيب الفخمة التي توافرت في مستهل القصيدة، لأن الاثنين السالفين معًا «يقلقان ذهن المتلقي، ويفصلانه عن جوه الاعتيادي ليدخل جوّا خاصًا يخلقه الشاعر ويفرضه منذ أول بيت». وفضلاً عن هذين العاملين، يقف المكان (معرّة النعمان) ليعطي الفضاء الشعري بعدًا دلاليًا يغور إلى أعماق التاريخ، مستعينًا بالتشخيص الذي أبدع الشاعر في استخدامه أسلوبًا للخطاب الشعري في استنطاق ذلك المعلم التراثي الذي أضحى يصارع الزمن ويفرض بقاءه بقوة. وإلى جانب التشخيص كانت الاستعارة الفن البلاغي الآخر، الهدف منه تقريب الصورة من ذهن المتلقي كي تكون الرسالة الإبداعية واضحة ومؤثرة، فالمسح عن خد المعرّة يعني إعادة قراءة تراث ذلك المبدع وتأمل مضامينه الفلسفية والفكرية، وإسقاطها على الواقع. لقد خاطب الجواهري المثقفين لاستشراف الحاضر واسترجاع بعض القيم الفكرية والحضارية الرائعة قائلاً:
قفْ بالمعرةِ وامسحْ خدَّها التَّرِبا
واستوحِ مَنْ طوّق الدنيا بما وهَبَا
واستوحِ مَنْ طبّب الدنيا بحكمتِهِ
ِومَنْ على جُرحِها من روحِهِ سكَبا
وسائِل الحفرةَ المرموقَ جانبُها
هل تبتغي مطمعًا أو ترتجي طلبا
إن أفعال الأمر في النص تخلق أجواء محفّزة للمثقف ليقرأ كنه هذا الرمز ليسبر غوره، فضلاً عن أنها تعكس لنا تفاعل الجواهري مع المعرّي وإبراز محاور شخصيته بشكل جلي. أهم مرتكزات قصيدة الجواهري هذه:
1 - فلسفة أبي العلاء المعري .
2 - فقدان البصر.
3 - مأساته ومواقفه من الحياة وملاذّها.
4 - الواقع.
عدد أبيات القصيدة 91 بيتا منشورة في ديوان الشاعر الجزء الثالث الذي جمعه وحققه وأشرف على طبعه د. إبراهيم السامرائي، د.مهدي المخزومي، د. علي جواد الطاهر، ورشيد بكتاش، طبعة وزارة الإعلام العراقية 1974م. لقد قدمت القصيدة الأسباب والنتائج والمعالجات لتلك الإخفاقات، ووضعت بعض الحلول المناسبة لتجاوز التداعيات التي رافقت حياة المعرّي ومازالت تتفاقم، فاستشرف الماضي لغرض إسقاطه على الحاضر.
فلسفة المعري
أبو العلاء المعري شاعر ألمّ بفكر العرب وثقافتهم، ويمتلك شخصية قوية استمدت من تلك الثقافة رموزها الفلسفية ومعانيها، فكانت القصيدة عنده غير خاضعة «إلى القراءة الأولى لأن رموزها ذات دلالات فنية موغلة في الخصوصية ومرتبطة بتأمل فلسفي عميق وبتراث العرب الأسطوري والفكري القديم»، فكان هذا الرمز موضوعًا ثرّا للشاعر الجواهري الذي يمتلك فكرًا وقّادًا وثقافة واسعة واستيعابًا للتراث واستثمارًا عميقًا لرموزه، فجاء شعره متفرّدًا في القرن العشرين ببنائه وصوره فاستحق بجدارة لقب «شاعر العرب الكبير»، فضلاً عن أنه لم يتبع خطى مَن سبقه من الأعلام، وإنما جاءت قصيدته علائية في موضوعها وبنائها الفني والفكري، لتجسّد تلك الموهبة الفذة والحياة البسيطة الفقيرة، وأن تلك الأسباب هي سر الإبداع الشعري لتكون منطلقًا لمخاطبة المثقف للاقتداء بهذا المفكر الذي هكذا رآه الجواهري:
على الحصير..ِ وكوزٍُ الماء يرفُدُه
وذهنُه... ورفوفٌ تحملُ الكتبا
أقامَ بالضجَّةِ الدنيا وأقعدَها
شيخٌ أطل عليها مُشفِقًا حَدِبا
بكى لأوجاعِ ماضيها وحاضرِها
وشامَ مستقبلاً منها ومُرتَقَبا
وألهمَ الناسَ كي يرضوا مغبّتهم
أن يوسِعوا العقلَ ميدانًا ومضطربا
فالحصير وكوز الماء والذهن المتوقد والكتب خطوط عامة لثقافة المعرّي ، التي استشرف الجواهري من خلالها الربط بين الماضي والحاضر، وكأن الشاعر أراد أن يوحد الأزمنة المتحركة تحت ميدان العقل العنصر الرئيس الذي يتحكم بها على وفق رؤية إبداعية، وقد كانت الثنائيات عماد الصورة فـ (أقام وأقعد وماضٍ وحاضر... إلخ) من العناصر المهمة في النص التي ساهمت في توهج الصورة وإعطائها حركة اهتزازية متناغمة تكشف عن إبداع شعري واستثمار للغة في أروع ما يمكن أن تكون عليه من حيث الدلالة والتركيب، فجاء السياق مستوعبًا لأفكار الجواهري التي صبّها في القصيدة فازدادت صورة ذلك الشيخ ألقًا وتوهجًا من خلال رؤيته الثاقبة للواقع، وقد قدمه الشاعر في أبهى حلّة، فالشيخوخة مرحلة النضج والاكتمال الفنيين، والعقل بؤرة كل شيء وإليه يجب أن نحتكم. لقد هيمن الفعل الماضي على الخطاب الشعري في بدء القصيدة، وهذا أمر منطقي لأن الخطاب يغور بعيدًا إلى المعري في القرن الرابع الهجري، أما أفعال المستقبل فهي خطاب موجه إلى المثقف في القرن العشرين الذي يجب أن يتحرر من عقد الماضي وينتبه إلى المستقبل من أجل بناء فكري متقدم.
بعد الفقر المادي والإهمال اللذين عاناهما المعري كان الحرمان من نعمة البصر منذ الصغر، الذي جعله يغور بعيدًا في قراءاته متأملاً الحياة وفلسفتها ومصير الخلق، وهذا كان مدخلاً للجواهري لأن يجسد لنا صور الأحاسيس والمشاعر بدقة عند المعرّي الذي استوعب واقعه استيعابًا تامًا، فكانت صور الجواهري دقيقة عميقة وكأنه يرى المعري شاخصًا أمامه. لقد اجتمعت عبقريتان في هذه القصيدة، الأولى: جواهرية والثانية: علائية، هكذا رآها الشاعر:
تلمّس الحُسْنَ لم يمدُدْ بُمبْصرةٍ
ولا امترى درّةً منها ولا حلبا
ولا تناوَل من ألوانِها صورًا
يصدّ مُبتَعدًا منهن مقتربا
لكن بأوسع من آفاقها أمدًا
رحبًا وأرهفَ منها جانبًا وَشَبَا
«تلمّس» تحيلنا إلى مرجعية الصورة اللمسية المتخيلة التي كان يبصر من خلالها المعرّي حياته ويتحسسّ ألوانها، كانت الرؤية القلبية عند المعرّى عمادًا لصورة الجواهري البصرية، فضلاً عن الثنائيات (مبتعد - مقترب... إلخ) التي أسهمت في عنصر الشد والجذب داخل النص وكان العقل مركز الإدراك والرؤية العلائية. إلى جانب ذلك كان الفاعل ضمير الغائب (هو) الذي يعد من أبرز عناصر الصورة، ومما زاد تأثيرها في المتلقي اشتغال الحواس الأخرى مثل حاسة اللمس والإدراك وفطنة المعرّي وذكائه في تحديد الأشياء واستيعابها، فكان السمع واللمس معادلين موضوعيين لنعمة البصر المفقود، وبذلك يكون الجواهري قد استوعب حياة المعرّي استيعابًا تامًا.
وبعد الفقر والحرمان من نعمة البصر، انتقل الجواهري إلى العنصر الآخر في حياة المعرّي وجعله محورًا رئيسًا في بناء قصيدته ألا وهو موقفه من المرأة وعزوفه عن الزواج وعفته الرائعة، ذلك الموقف السلبي الرافض لفلسفة الحياة الاعتيادية التي رآها المعري أشبه بالمسخرة فرفض كل ملاذها ونقلها لنا الجواهري بدقة:
يا عاريًا من نَتاجِ الحُبِّ تكرمَةً
وناسجًا عفّةً أبراده القشبا
الخطاب الشعري اعتمد على صيغة المخاطَب الغائب وهو المعرّي الذي استحضره الجواهري وحاوره حوارًا مباشرًا عن التقلبات الفكرية المفزعة بأسلوب اسم الفعل «حاشاك» منزها إياه عن الشطط، وأن حبّه كان حبًا روحيًا عفيفًا ساميًا «إذ افتقد حوّاءه في البشر راح يتلمّس أخرى بديلة في مظاهر الطبيعة والكون كي تبدد عذاباته وتؤنس وحشته، ولهذا تجده يستلب من الأولى - أخصّ صفاتها في الخصوبة وديمومة الحياة وجمالية المظهر ويهبها عن طيب خاطر إلى أنثاه الأخرى».
لقد كانت عوالم المعرّي خاصة محسوسة ومرتبطة بطبيعة حياته:
حاشاك، إنك أذكى من الهوى نفَسًا
سَمْحًا وأسلسُ منهم جانبًا رَطبَا
لا أكذبنّك أن الحبَّ متهمٌ
بالجورِ يأخذُ منا فوقَ ما وهبا
كم شيّع الأدبُ المفجوعُ محتضرًا
لدى العيونِ وعند الصبرِ محتسَبًا
لقد عالج الجواهري الجوانب النفسية للمعرّى من خلال توظيف الألفاظ لتعطي مفهومًا دلاليًا يحدث مفارقة داخل اللفظة نفسها ليصل إلى نتيجة رائعة بأن المعرّي استطاع كبح جماح الرغبة عن طريق المجاهدة والاقتناع بما هو سالك، وهذا الطريق قاده إلى الخلود على مر العصور:
هل كنت تخلدُ إذ ذابوا وإذ غَبَروا
لو لم تَرُضْ من جماحِ النفس ما صعُبا
الجواهري استحضر المعرّي وخاطبه خطابًا فكريًا نفذ من خلاله إلى نفس المثقف الآن، ليعالج الأزمات الحادة التي يعانيها:
أجللتُ فيكَ من الميزاتِ خالدةً
حريةَ الفكرِ والحرمانَ والغضبا
مجموعةً قد وجدناهنّ مفردةً
لدى سواكَ فما أغنيْننا أرَبَا
الجواهري معجب بفلسفة المعرّي أيّما إعجاب ولاسيما محاور الشخصية التي طرحها النص وهي حرية الفكر والحرمان والغضب، وقد اجتمعت في شخص المعرّي بيد أنها لا تجتمع عند الآخرين أو تتوافر حصيلة دون أخرى «فعنصر الفلسفة محور في حرية الرأي، وعنصر العمى محور في الحرمان، وعنصر الهوى محور في الغضب، فالجواهري أراد تحقيق معادلة بين تلك العناصر التي تميّز الأديب الحقيقي والفنان المبدع من غيره».
لقد كانت فلسفة المعرّي في الحياة فريدة من نوعها، فلم يعبأ بها ولا بملاذها، ولم تغرّه، بيد أننا من خلال استقراء مفردات الحياة، نلاحظ أن بعض الناس تغريهم، وأحيانًا تغري صاحب الرأي الحصيف وهذه مفارقة فيكون إبداعه ناقصًا أو مشوها:
فرُبَّ ثاقبِ رأي حطَّ فكرتَه
غنمٌ فسفّ وغطّى نُورَهَا فَخَبا
وأثْقلَتْ متْعُ الدُّنيا قوادمَه
فما ارتقا صعدا حتى ادَّنى صَبَبا
بدا له الحقُّ عُريَانًا فلم يَرَه
ولاح مَقْتلُ ذِي بغيٍ فما ضَرَبا
هكذا رأى الخلفُ السلفَ، أو جسدّ أفكاره وما يختلج في نفسه، وقد بني النص على المفارقة الشعرية فكانت «ارتقى صعدا» تقابلها «ادّنا صببا»، «وبدا له الحق» تقابلها «فلم يره»، و«لاح مقتل ذي بغي» تقابلها «فما ضربا». إن هذا البناء الشعري يحيلنا إلى واقع المجتمع وإغراءات الحياة ومدى انقياد بعضنا إليها، وعزوف القليل الذي يتحلّي بالصبر والحكمة والقناعة عنها، وأن حرمان المعرّي نتج عنه التمرد والرفض لما يحيط به من علاقات زائفة، وهذا هو الصنف الثاني الذي عبّر عنه الجواهري:
وربَّ راضٍ من الحرمانِ قِسْمتَه
فَبَرَّر الصَّبْرَ والحِرْمَانَ والسَّغَبا
أرْضَى وإنْ لمْ يشأ أطْمَاحَ طاغية
وحال دون سوادِ الشّعب أن يَثِبَا
وعوَّضَ النّاسَ عنْ ذلّ ومَتْربةٍ
من القناعَةِ كنْزَا مانِحًا ذَهَبا
هذا الصنف من الناس يقف المعرّي في مقدمتهم، أو هكذا رآه الجواهري تغيرًا حكيمًا رائعًا يهب الناس العلم والمعرفة على مر العصور.
ماذا عن الواقع؟
هذا هو المرتكز الآخر في القصيدة فالمثقف طالته يد الحرمان والجور، وكان كالشمعة التي تحترق لتضيء الدرب أمام الآخرين، وكانت أسئلة الجواهري متعاقبة في النص، فسعى إلى «إقحام ذاته في مضمون المحادثة لتكون شاهدًا على العصر وناطقة باسمه».
إن موهبة الجواهري أعطت النص دفقًا إضافيًا رائعًا:
أبا العلاءِ وحتى اليومِ ما بَرِحَتْ
صنّاجَةُ الشِّعْرِ تَهْدِي المترَفَ الطّرَبا
...................
وأن للعبقري الفذِّ واحدةً
إما الخلودَ وإما المالَ والنّشبا
من قبل ألفٍ لو أنّا نبتغي عظةً
وعظْتَنا أنْ نَصُونَ العِلْمَ والأدَبا
المعرّي لم يكتب الشعر لترف أو طمع مادي، بل إنها الموهبة والعبقرية التي كتبت له الخلود والبقاء، ولكن هل كان سلوكه عظة للشعراء اللاحقين؟
هذا هو السؤال الذي يبحث عن الإجابة التي ربما تكون نعم، وربما تكون لا، ولكل جواب مسوغاته، وهذا تصنيف للشعراء سيبقى قائمًا أبدًا، الجواهري يعيد الكرّة ثانية، لعله يوقظ مشاعر مَن أغوتهم الدنيا وحب المال على حساب الإبداع.
لقد جسّد الحالة السيكولوجية والنفسية للمعرّي، فكانت الصورة ناطقة صادقة في التعبير لتحقيق دلالات متداخلة داخل النص، شعر الجواهري كان مفعمًا بالرموز التراثية التي تعبّر عن قضايا فكرية قديمة جديدة هي صراعات غير منقطعة:
لثََوْرَةِ الفِكْرِ تأريخٌ يحدّثُنا
بأنَّ ألف مسيحٍ دونها صُلبا
المسيح أصبح رمزًا لكل صاحب مبدأ أو فكر حر، فإذا ما قتل شبّهناه بالمسيح، لذا جعله الجواهري مقترنًا بثورة الفكر على الصعيدين الماضي والحاضر، فلخص لنا «موقفًا معاصرًا متطورًا في المشاعر من خلاله لوحة تحمل من بصمات العصر وعنفه واضطرابه أكثر من حكمة الماضي الغابر»، لقد أنشأ الجواهري دعائم هذه الرائعة على أن الفكر المتدفق هو نقيض الجهل المتفشي والمتمثل بالحكام الذين تسلطوا على رقاب الناس منذ الأزل:
وهؤلاء الدّعاةُ العاكِفونَ على
أوْهَامِهم صَنَمًا يُهدونه القُربَا
الحابطونَ حياةَ الناسِ قد مَسَِخُوا
ما سن شرعٌ وما بالفِطْرَةِ اكْتُسبَا
والملصقونَ بعرشِ اللهِ ما نَسَجَتْ
أطْماعُهم بِدَعَ الأهْواءِ والرّيبَا
لقد استخدم الشاعر اسم الفاعل في بناء الجملة الشعرية كي يعطي الأسلوب الشعري طابعًا سرديًا متعاقبًا ويتلاءم مع واقع الحياة الفكرية والاجتماعية في العراق، وما آلت إليه من تدنٍ في المستويات كلها بسبب ضعف الجانب السياسي وتواضع المستويات الإدراكية والثقافية عند عامة الناس واقتناعهم أن الحكام يجب ألا يجابَهوا بالعصيان، وهذه طامة كبرى. وقد استغل الحكام ضحالة التفكير تلك من أجل تحقيق مآربهم، وذلك ما أحدث ردة فعل عكسية عند المثقفين في تمرّدهم على السلطة.
وإن من حِكْمَةٍ أن يجتني الرّطَبا
فرد بجهدِ ألوفٍ تعلك الكُرَبا
معادلة غير متكافئة وحقيقة مرّة تلك التي صرّح بها الجواهري وهو يرى شاعرًا مبدعًا قبل أكثر من ألف سنة وقف الموقف نفسه من تلك التداعيات رافضًا استغلال الآخرين لبعضهم فثار على الظلم والاستغلال فاتُّهم اتهامات عدة. أفاد الشاعر من تراثه اللغوي، وهذا يبيّن لنا سعة ثقافة الجواهري وهيمنته على تقنيات النص الشعري، فأكثر من استخدام الأفعال المتباينة في أزمنتها على وفق متطلبات النص لخلق توتر وديناميكية، فضلاً عن استخدام الأفعال المضعفة التي تعطي المعنى قوة في التأثير والدلالة، وأن الفعل له قدرة على «التغير والتحول نظرًا إلى طاقته الحركية زمنيًا وصرفيًا. وتأتي هذه الحركة أيضًا من تلون الفعل تعديًا ولزومًا، وتمامًا ونقصانًا وتجريدًا وزيادة، فضلاً عن بنائه للمعلوم والمجهول»، وتوظيف مشتقاته من أجل إضفاء السردية على النص:
رأسٌ من العصب السّامي على قفصٍ
من العظام إلى مهزولةٍ عُصِبا
أهوى على كوّةٍ في وجهه قدَرٌ
فسَدَّ بالظلمة الثّقْبَين فاحتجبا
طريقة الجواهري في رسم الصورة طريقة التجريد أو الوصف أحيانًا لينقلنا إلى الأجواء الحقيقية التي عاشها المعرّى ، وأفصحت هذه القصيدة عن تربع الجواهري على عرش الشعر العربي في القرن العشرين من خلال بنائه الشعري وتراكيبه الفخمة وتجسيد العوالم السالفة بدقة، فكان التراث رافدًا ثرّا للشاعر الحديث. ويبدو واضحًا من خلال القصيدة الاغتراب الفكري الذي عاناه المثقف منذ حقب قديمة وأغرب الغرباء من عاش غريبًا في وطنه:
عانَي لَظَى الحُبِّ، بشارٌ وعُصبتُه
فهل سِوى أنَّهم كانوا له حَطبَا
المبدعون منذ حقب كانوا ضحية لا لذنب اقترفوه، بل لأنهم مبدعون، وظروف المثقف اليوم مليئة بالمعاناة والحرمان. لقد استوعب الجواهري ظروف المعرّي ، فكانت قصيدته صادقة في تعبيراتها ذات لغة عالية «تدل على خزين تراثي غزير وعلى نظرة عصرية جريئة بعيدة عمّا يسمّى في بعض الدراسات النقدية المعاصرة الارتجال الفني». إن قصيدة «قف بالمعرّة» كشفت عن ذات مبدعها وهو في قمة النضج الفني، وهذه القصيدة تحدثت بضميري الغيبة والخطاب اللذين يعودان على المعرّي ، وضمير الأنا الذي يعود على الجواهري لأنه محور الإبداع الفني بموسيقى انسيابية لبحر فخم هو البسيط الذي عوّدنا الشاعر أن نقرأ له روائع فنية مثل «يا دجلة الخير» وغيرها.
الجواهري في رائعته هذه، أراد أن يكشف عن تمرّده أو ثورته على واقع مترد، فعاش في أعماق الحدث العلائي ببائيته ذات الروي المنفجر الذي استوعب ارتجاج حرف القلقلة الباء. لقد رأى الجواهري أستاذه المعرّي فكرًا متجددًا كلما يزاح عنه غبار السنين بدا متوهجًا يمنح القادمين دروسًا في الفكر والحياة وثورة على الواقع، محاولاً فتح آفاق جديدة لفهم الحياة التي ينبغي أن تُدرك على وفق رؤيته.
نَوّر لِنَلْ إننا في أي مُدّلجٍ
مما تشكّكْت إنْ صِدقا وإنْ كَذبا
وفي الختام كانت هذه الرؤية البصرية الإبداعية الواعية لشاعر الرؤية القلبية في طليعة الشعر العربي في القرن العشرين، والتي تكشف ايضًا أن المرجعية الذاتية والتراثية رافد من روافد الإبداع الجواهري.

وليد



توقيع :  وليد

 

قمرٌ تغزلتْ النجومُ بحسنِه .... وسبورة .. فيها كل حســـــــــنٍ يفتــــــن
هي فرحةٌ غنت بها أيامها .... نشــــــــــوانةٌ تشـــــدو بها وتُلَــــــــحنُ
عانقتُ فيكِ يا حياتي فرحتي ..... يا من بروحي في فؤادي تســـــــــكن
في مهرجان الحسنِ وجهك مـشرق ... وخطى النجاح من دربك تتمكن
فامضِ رعـــــــاك الله لا تتهاوني ..... ما فاز في اللــــــــــذات إلا متقن

شعر : وليد الصالح

وليد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-10-2011, 04:15 PM   #48
وليد وليد غير متواجد حالياً
عضو شرف

بيانات :- وليد
وليد is on a distinguished road
 
افتراضي

أبوالعلاء المعري... فلكيًا
إبراهيم مشارة



أبوالعلاء المعريّ شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء, وأحد كبار الشعراء العرب وأعمقهم ثقافة وأرسخهم قدماً في علوم العربية والمنطق والفلسفة, وأحد القلائل الذين لهم خبرة بالنّفس الإنسانية وتقلّباتها. ويزيد إعجابنا بسعة ثقافته إذا تقصّينا شيئًا من ثقافته الفلكية.
يبهر أبو العلاء المعري من له دراية بالفلك, ويحار في الدقة التي يصف بها الشاعر المجموعات النجمية وطلوعها وشروقها الواحدة تلو الأخرى وهو الضّرير الذي حرم من متعة النظر إلى السماء.
ولقد أكثر المعرّي من ذكر النجّوم والكواكب, ولا جرم أنه كان يعظّم شأنها وهو القائل عن زحل:
زحلٌ أشْرفُ الكَواكب دارًا
من لقاء الرّدى على ميعاد


والمعرّي كغيره من المثقفين في العصر العباسي الأول والثاني الذين اطّلعوا ولا ريب على مؤلفات أفلاطون وأرسطو وبطليموس, والإشارة هنا بقوله (أشرف الكواكب دارًا) إلى كون زحل الكوكب الأبعد مدارًا, حول الأرض لا حول الشمس لأن النظرية البطليموسية وفحواها أن (الأرض مركز الكون) سادت حتى عصر كوبرنيكوس, ولهذا وقف الإنسان القديم في تعرّفه على الكواكب عند زحل لأن الكواكب الأخرى (أورانوس ونبتون وبلوتو) لا ترى إلا بالمناظير القوية. وقد كان المعري مؤمنا بفناء المادة وانحلال الكون من حيث هو نجوم وكواكب فيقول مباشرة بعد البيت السّابق:
ولنار المرّيخ من حدثان الدْ
دَهر مطفٍ وإن علت في اتّقاد
والثّريا رهينة بافتراق الشّـ
ـمْل حتى تعد في الأفراد
واللّبيب اللّبيب من ليس يغتَرْ
رُ بكونٍ مصيره للفساد ِ


اقتران الكواكب
وفي لزوميّات المعرّي إشارات فلكية تخفى على كثير من المثقفين في عصره وفي غيره من العصور. كإشارته إلى اقتران الكواكب, وهو من الناحية الفلكية اجتماع كوكبين أو أكثر في برج من البروج في أقرب مساحة ممكنة, وإذا علمنا أن بعض الكواكب لا تتم دورة واحدة حول الشمس إلا خلال عشرات السنين اتضح لنا أن هذا الأمر نادر الحدوث. ومن الاقترانات التي تناولها المعرّي ما تعلّق بكوكبي المشتري وزحل وقد كان القدماء يتفاءلون خيرًا بهذا الاقتران, على العكس من تشاؤمهم بظهور المذنّبات. يقول المعرّي :
قران المشتري زحلا يرجّى
لإيقاظ النّواظر من كراها


غير أن المعرّي يخونه التّوفيق في بيت من هذه القصيدة حين يؤكّد ثبات مواقع النجوم.
تقضّى النّاس جيلاً بعد جيل
وخُلّفت النجوم كما تراها


فالذي هو ثابت اليوم أن النجوم في حال حركة, وأن كثيرا منها سيغيّر موقعه بعد آلاف السنين, فمجموعة (الدّب الأكبر) لن يكون شكلها كما نراه اليوم بل سيتغير نتيجة لحركة نجومها.
وفي قصيدة (علّلاني) وهي قصيدة نظمها الشاعر في عهد الشّباب حاول فيها أن يحاكي المبصرين في دقّة الوصف, متعاليًا على عاهته, وقد نجح في ذلك إلى حدّ الإعجاز, وأدعو القارئ إلى قراءة هذه الأبيات ومراجعة ذاكرته حول أسماء النّجوم الواردة في هذه القصيدة, وعن الفصل الذي تشرق فيه وتغرب إن كان من الملمّين بالفلك, يقول أبو العلاء:
ليلتي هذه عروس من الزّنـ
ج(1) عليها قلائد من جمان(2)
وكأن الهلال يهوى الثريا
فهما للوداع معتنقان


والمؤكّد أن الشاعر نظم هذه القصيدة في أواخر الرّبيع, لأن برج الثور حيث توجد مجموعة (الثّريا) لا يكون بالأفق الغربي إلا في أواخر هذا الفصل حيث تنزله الشمس في شهر مايو فتنحجب عن الأبصار.
فإذا كان الهلال ابن أيام قليلة في أواخر الرّبيع نزل في برج الثور فيُرى بعد مغيب الشمس في هذا البرج, وقبل هذا البيت يقول المعرّي :
وكأنّي ما قلت والبدر طفلٌ
وشباب الظّلماء في العنفوان


نجم سهيل
وقد أولع المعرّي بذكر نجم (سهيل) وهو نجم عملاق أحمر يبعد عن الأرض بحوالي 400 سنة ضوئية وهو جدّ مهم في الملاحة الفضائية لأنه يستخدم كنقطة مرجعيّة في توجيه السفن الفضائية في رحلاتها ما بين الكواكب, ويقع هذا النجم في كوكبة (الجؤجؤ) التي تشكل جزءًا من المجموعة النجمية العملاقة (السفينة). فماذا يقول الشاعر عن هذا النجم?
وسهيلٌ كَوْجَنَةِ الحبّ في اللّو
ن وَقَلْبُ المُحبِّ في الخفقان
ضَرَّجَتْه دَمًا سُيُوف الأعادي
فبكت رحمةً له الشِّعريان (1)


ولن نخوض في الجمال الأدبي الأخّاذ الكائن في هذا الوصف, ولكن ينبغي أن نشير هنا إلى أنْ هذا النجم لا يُرى من العُروض الشمالية (كسورية) حيث عاش الشاعر بسبب وجوده تحت خطّ الأفق في جنوب الكرة السّماويّة. ولا تتأتّى رؤيته إلا من جنوب الأرض (إفريقيا الجنوبية, أستراليا, أمريكا الجنوبية). والشاعر قد أراد أن يدلّل على سعة ثقافته الفلكية ولو لم يشاهد هذه النجوم.
ويختم المعرّي قصيدته بالإشارة إلى شروق كوكبة (النسر الواقع) وفيها النجم اللامع (VeGa), وهي كوكبة تشرق في أواخر الربيع قبل الفجر ثم تتقدم غرب السّماء يوما بعد يوم, وبالتالي تكون محتلة للسّمت في فصل الصيف. والعارف بالفلك يحار في دقة المعرّي في تقصّي هذه المجموعات النجمية وهو الضرير. يقول عن هذه المجموعة:
ونضا فجرُه على نسره الوَا
قع سيفا فهمّ بالطّيران


ومن النجوم التي أشار المعرّي إليها في لزومياته وسائر شعره: الشّعرى اليمانية والشعرى الشامية, فأما الأولى فقد عبدتها العرب القدماء, وقد فند القرآن الكريم هذه الأباطيل والوثنيات فقال تعالى مخاطبا العرب في سورة النجم {وأنه هو ربّ الشّعرى}. والشعرى اليمانية نجم يبعد عنّا بحوالي ثماني سنوات ضوئية وهو من ألمع النجوم ويستأثر بليلنا طوال ليالي الشتاء ويوجد قريبا من مجموعة الجبار (orion) أو الجوزاء كما أسمتها العرب. وحول هذين النجمين للعرب أسطورة جميلة فحواها أن الشعرى اليمانية هربت مع حبيبها نجم سهيل وعبرت نهر المجرّة أي (درب التبان) ولهذا تسمّى أيضا بالشعرى العَبُور, وظلّت أختها الشعرى الشامية تبكي على فراقها دون أن تتمكن من عبور نهر المجرة ولهذا تسمى أيضا بـ (الغميصاء) أي في عينيها تقرح من شدة البكاء, يقول المعري مخاطبا أحد أخواله المكثرين للشعر:
إذا الشعرى اليمانية استنارت
فجدّد للشامية الودادا


شاعر الفرقدين
وفي قصيدة المعري المشهورة (ألا في سبيل المجد) وهي التي نظمها في عهد الشباب وافتخر فيها بمركزه الأدبي وأخلاقه العالية يذكر نجما هو (السّها) وهو نجمٌ خفيٌ في كوكبة الدب الأكبر في الذيل, كانت العرب تمتحن به قوة البصر عندهم وقالت في المثل (أريها السّها وتريني القمر) وهو مثل يضرب للشخص تريه الأمر الخفي فيضرب عنه صفحا ويتحدث عن الواضح الجليّ. يقول المعري مشيرا إلى هذا النجم:
وقالت السها للشمس أنت خفية
وقال الدُّجى يا صبحُ لونُك حَائِلُ


وهو يشير من خلال ذكر هذا النجم إلى فساد القيم وانقلاب الأوضاع, إلى درجة أنْ الحقير الصغير يطاول الشريف الكبير.
وكما ذكر المعرّي الكواكب وأولع بذكر المريخ وزحل (كيوان), وذكر النّجوم البعيدة وفي لزومياته يتردد ذكر الفراقد أو الفرقدين كما في رثائه لأبي حمزة الفقيه, والفرقدان نجمان نيّران في كوكبة الدبّ الأصغر أشد إضاءة من النجم القطبي الذي يشير إلى القطب الشمالي, ومن أسمائهما (حارسا القطب) لأنّهما يدلاّن على النجم القطبي لمن لا يعرفه, يقول شاعرنا مشيرا إليهما:
وكَمْ رَأَت الفَرَاقِدُ والثّريا
قَبَائِل ثم أَضْحَتْ في ثَرَاها


وفي مرثيته لأبي حمزة الفقيه يشير كذلك إليهما:
كَمْ أقاما على زوالِ نهارٍ
وأَنَارا لمُدَلج في سواد


ولم يغفل المعرّي الإشارة إلى السّماكين وهما نجمان عملاقان أحدهما هو (السّماك الرّامح) في كوكبة (العوّاء) أو الرّاعي والآخر هو (السّماك الأعزل) في كوكبة (العذراء البروجيّة). والسماك الرّامح ألمع من السّماك الأعزل وقد تردّد ذكرهما كثيرا في شعر العرب. أمّا شاعرنا فقد رأى منزلته الأدبية سامية بين السّماكين:
ولي مَنْطِقٌ لم يَرْضَ لي كُنه مَنْزِلي
عَلى أَنَّني بين السّماكين نَازِلُ


وفي قصيدة نظمها الشاعر في عهد الشباب وقد آلمه حسد البعض ومحاولتهم النيل من الشاعر يصرّ حكيم المعرّة على أنّ منزلته في الجوزاء, وفي هذه الكوكبة التي ذكرها الشاعر خلطٌ كبير فالعرب قد تطلقها على مجموعة الجبّار (orion) بدليل أن أحد نجومها وهو من النجوم المصنفة كألمع النّجوم تسمّيه العرب (إبط الجوزاء) وبهذا الاسم عرفه الفلكيون الغربيون Btelgeuse).
على أن الجوزاء الحقيقية كوكبة بروجية بين الثّور والسرطان تنزلها الشمس بين 22يونيو و21 يوليو وصارت تقع في السّمت في العروض الشمالية بدل كوكبة السّرطان بسبب مبادرة الاعتدالين وترنح محور دوران الأرض, ولا نعلم هل كان المعرّي يقصد بالجوزاء برج الجوزاء هذا كما شرحناه, أم جرى على إلف العرب في إطلاقهم هذا الاسم على الجّبار? المهمّ أنه يقول:
أَفَوْقَ الْبَدْرِ يُوضَعُ لي مهَادٌ
أَمِ الجَوْزَاءُ تَحْتَ يَدِي وسَادُ?


أما الشمس نجمنا الذي يبدّد سواد الفضاء ووحشة الكون فقد شغل هذا النجم عقل المعرّي الجبّار وتساءل عن زمن مولد الشّمس وأدرك أنه قديم:
ومولدُ هذي الشمس أعياكَ حدّه
وخبّر لبّ أنه متقادمُ


واستأثر الزمن بفكر الشاعر الفيلسوف كما استأثر بعقول فلاسفة الإغريق وبعقل نيوتن وأينشتين, وإن كانت نظرية النسبيّة قد فصلت في نسبية الفضاء والزّمن فالمعرّي يرى أن تيار الزمن ينساب في الكون ويملؤه ولا توجد نقطة في الكون بلا زمن.
هذه لمحة وجيزة عن ثقافة المعرّي الفلكية, فدارس شعره يقف على كثير من الإحالات في قصائده, وهي كثيرة تستغرق مؤلفا مفصّلا, ولا يزعم كاتب هذا المقال أن الشاعر كان فلكيا, وإن كان عنوان المقال يوحي بشيء من ذلك فالشاعر كان عقلا فذّا استوعب ثقافة عصره واطّلع على شيء من الفكر والثقافة الإغريقية وربّما الهندية والفارسية, ولهذا جاء شعره ممثّلا لسعة اطلاعه وحيرته الفلسفية, وطهارة نفسه ونقاوة ضميره من رذائل الكذب والنفاق والأنانية وهو القائل:
ولو أنّي حببت الخلد فردا
لما أحببت بالخلد انفرادا
فلا هَطَلَتْ عليّ ولا بأرضي
سحائب ليس تنتظم البلادا


حقّا إن المعري مفخرة من مفاخر الثقافة العربية وشاعر عظيم من أساطين الشعر وفرسانه الكبار



توقيع :  وليد

 

قمرٌ تغزلتْ النجومُ بحسنِه .... وسبورة .. فيها كل حســـــــــنٍ يفتــــــن
هي فرحةٌ غنت بها أيامها .... نشــــــــــوانةٌ تشـــــدو بها وتُلَــــــــحنُ
عانقتُ فيكِ يا حياتي فرحتي ..... يا من بروحي في فؤادي تســـــــــكن
في مهرجان الحسنِ وجهك مـشرق ... وخطى النجاح من دربك تتمكن
فامضِ رعـــــــاك الله لا تتهاوني ..... ما فاز في اللــــــــــذات إلا متقن

شعر : وليد الصالح

وليد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-10-2011, 04:18 PM   #49
وليد وليد غير متواجد حالياً
عضو شرف

بيانات :- وليد
وليد is on a distinguished road
 
افتراضي

بين شاعر الفلاسفة المعري
وفولتير العرب طه حسين
- القسم الأول -
د. خالد يونس خالد





العقل وعاء العلم، والعلم شعاع نوراني إذا انكسر الوعاء انطفأ الشعاع وأفلَ الضياء إلى حين. والغضب والفزع والهوى يكسر الوعاء. واللغة شاغل أساسي من شواغل الفلسفة، والأدب طريق حاسم ومباشر إلى عقل المتلقي فورا دون محاولة التمسح بحواسه في الطريق.
راودتني الأفكار كيف اجتمع شاعر الفلاسفة المعري وفولتير العرب طه حسين في مجلس الفكر والأدب والفلسفة والشعر عبر الأطوار والأزمان؟


- أبو العلاء المعري (973-1057 (1058) شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء. (ينظر الهامش) (1).
- طه حسين (1989-1973) "فولتير العرب" عميد الأدب العربي، أديب باحث ومفكر ناقد (ينظر الهامش) (2).


يقف الإنسان مفكرا، والفكر لا يبارحه، وهو يبحث عن أسرار اللغة والأدب والشعر، ليعرف مكنونات غاية اللغة في الأدب وغاية الأدب في اللغة. هذه أو تلك أو كلتاهما مزجتا بخواص النبوغ المشتركة من فكر وفلسفة وشعر ونقد في قريحة عقلين كبيرين من عقول معرفية مضيئة في مسالك الظلام، فأنارتها لكل ذي بصيرة لايتجرأ أن يسلكها إلاّ العقلاء من الأدباء والشعراء والحكماء والمفكرين.
ألتقي اليوم بشاعر الفلاسفة وفولتير العرب، فليسمح لي عشاق الفكر والأدب والشعر أن أكون ضيفا في مجلس هذين المبدعين الذين شغلا العالم الأدبي بفكرهما وأدبهما وأسلوبهما العبثي السلس الجذاب. أجد نفسي على ساحل نهر أتمتع بالنظر إلى الطبيعة المتعطشة للحب، والجمال الذي يعشق شعر المعري الخالد، وصحبة حسين الرائع. أسمع خرير النهر بين موسيقى الفكر والأدب بألحان "لزوم ما لا يلزم" حيث يتعانق التشاءم الغارق في العقل الناضج مع تفاؤل الشعر وبسمات الفكر، وحديقة "ذكرى أبي العلاء" رسالة طه حسين، مجدد النقد الذي جدد الفكر الأدبي بنقده المنهجي.


يمثل أبو العلاء المعري الأساس الفكري لنظرية طه حسين النقدية، وهو بهذا يعتبر جزءا من "منهج العبث" الذي مارسه طه حسين في نقده الأدبي. وعندما يتحدث طه حسين عن المعري، فإنما يمثل شخصيته الأدبية والفكرية في بعض جوانبه النقدية لأدبيات الآخرين. وعليه يمكن القول أن عميد الأدب العربي طه حسين تأثر بآراء أبي العلاء المعري وشعره وفلسفته في نظريته النقدية. وقد لقبَته (مَي زيادة) في رسالتها إليه بأنه (أبو العلاء وڤولتير معا) ، وهنأته بعودته إلى الجامعة المصرية عام 1934 وذلك بعد إبعاده منها بسبب كتابه (في الشعر الجاهلي) فابتدأت رسالتها بـ ‘‘ يا أبا العلاء‘‘ وهذا يعني تقديرا له لِما لأبي العلاء المعري من تأثير فيه، ولما لأبي العلاء من مكانة في الأدب العربي (3). واعتبره الكاتب المصري سامي الكيالي أنه ‘‘ مَعَري القرن العشرين، ومفخرة مصر والعرب‘‘(4) .

لقاء في محراب العقل

أفكر مرة تلو مرة، وأنا الزائر، أريد أن أروي ظمئي بالماء الزلال من ينبوع النقد الأدبي الذي لايرحم في جنينة المعري الغناءة، وعلى جانبه أسمع ترنيمة أسلوب العبث المزخرف بألحان حب عميد الأدب العربي للأدب والفكر والفلسفة، وحبه المغرم بلا انتهاء لأبي العلاء المعري. ينهض شاعر الشعراء من مرقده بعد رحلته الطويلة في رسالة الغفران إلى العالم الآخر وينشد:
قد كثرتْ في الأرضِ هٌّالنا
والعاقل الحازم فينا غريبْ
وإن يكنْ في مّوْتنا راحة
فالفّر الوارِد مينٌّا قريبْ
جاءنا الأديب طه حسين، بعد أن أنفق أربعة أعوام في الأزهر، وكان يعدها أربعين عاما يسمع كلاما معادا وأحاديث لا تمس قلبه ولا ذوقه، بدأ يفكر أن أمامه ثمانية أعوام أخرى، سيعدها ثمانين عاما كما عد الأعوام الأربعة التي سبقتها (5). وفي هذا كله سمع أسم الجامعة، (الجامعة المصرية/ جامعة القاهرة حاليا)، فترك الأزهر والتحق بالجامعة، وحصل على شهادة دكتوراه في الآداب عن رسالته الأولى بعنوان "ذكرى أبي العلاء". وفي ‘‘تلك الأيام قدم عضو من أعضاء الجمعية التشريعية اقتراحا يطلب فيه أن تقطع الحكومة معونتها عن الجامعة لأنها خرَّجت "ملحدا" (وما هو بملحد) هو صاحب رسالة "ذكرى أبي العلاء"(6). لكنه سحب اقتراحه بعد أن هدده الخديوي سعد بأن صاحب الرسالة سيقدم طلبا إلى الحكومة أن تقطع معونتها عن الأزهر، لأنه تعلم في الأزهر قبل أن يتعلم في الجامعة (7).


جاء أبو الطيب المتنبي مسرعا ليدافع عن طه حسين فأنشد باعتزاز:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخـو الجهالة في الشـقاوة ينعم
ومن البلية عذل من لا يرعـوى
عن جهله وخطاب من لا يفهــم


وأقدم المعري أبو العلاء من بعيد وقال:
فقِدتْ في أيامِكّ العلماء
وادْلهمتْ عليهم الظٌّلماء
وتغشٌّي دّهْماءنا الغّيٌ لما
عطٌلتْ منْ وضوِحهِا الدٌّهماء
فجاوبه المتنبي:
عش عزيزا أو مت وأنت كريم
بين طعن القنا وخفق البنودِ
فقال أبو العلاء:
نرو الحياةّ فإن هّمٌّتْ هواسنا
بالخير قال راء النٌّفس: إراءّ
وما نفِيق من السٌكرِ المحيطِ بنا
إلا إذا قِيل: هذا الموت قداءّ


فلم يبق أمام طه حسين، بعد أن شرب من كأس الشاعرين أطيب ما شرب، إلاّ أن ينقد أولئك الذين يخافون من النقد الأدبي، ويعتبرون الأدب العربي القديم مقدس لايشمله النقد، ولا ينبغي التحقق من صحته، لأنهم كسالى العقول يخافون من منهج البحث العلمي.

وما أن انتهى حسين من نقده حتى أنشد أبو العلاء:
أقررتُ بالجهل وادعي فهمي
قوم فأمري وأمرهم عجب


فتذكر عميد الأدب العربي غرامه لشريكة حياته (سوزان الفرنسية) التي رأى (حسين) الدنيا بعينيها، وقال في قرارة نفسه حين اشتكت منه قرينته: كنتُ على حق حين قلت لها بعزة نفس وإباء "إننا لم نخلق لنعيش سعداء، إنما خلقنا لنقوم ماينبغي علينا أن نقوم به ".

لم يغب الفكر في كل هذا الحوار، فالفكر توأم لشعراء العقل والأدب الحي. فكثير من الفلاسفة الكبار كانوا شعراء وأدباء منهم:
- فولتير: شاعر وكاتب مسرحي،
- نيتشه: أديب وفيلسوف،
- بول فاليري: شاعر العقل
- هيبوليت تين، ناقد ومؤسس المنهج التاريخي،
- البرت كامو: كاتب مسرحية ورواية،
- مونتسكيو: مفكر وأديب وصاحب روح القوانين.
- أبو الطيب المتنبي: فيلسوف القوة بين شعراء الحكمة بلا منازع، كقوله:
عش عزيزا أو مت وأنت كريم
بين طعن القنا وخفق البنود
واطلب العز في لظى، ودع الذل،
ولو كان في جِنانِ الخلود!
- بدر شاكر السياب: مجدد الفكر بتجديد الأدب
- جميل صدقي الزهاوي: شاعر وفيلسوف وكثيرون غيرهم.


عنصر الفكرة

‘‘الفكرة عنصر هام من عناصر الأدب الحي، إن طغت عليها العاطفة، أو غلب عليها الخيال، أو حجبها رونق الأسلوب أحيانا ... ولئن كانت العاطفة، وأحيانا الخيال، أبرز في الأثر الشعري من الفكرة، فإن الفكرة في الأثر النثري أغلب عليها بوجه العموم‘‘ (8).
- التشكك والنظر الفلسفي: أبو العلاء المعري. شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء، شعره أشبه ‘‘بتأملات الفلاسفة‘‘،
ولا سيما في ديوانه ‘‘اللزوميات‘‘. من شعراء القرن الحادي عشر. كان عصره عصر فوضى. من أحب الشعراء لدى طه حسين. نزعاته الفلسفية متنوعة‘‘من عقلية برهانية، إلى تشكيكية لا أدرية، ومن إيجابية تسليمية، إلى سلبية هدّامة. فقوله في خلود الروح وهلاك الجسد:
يفرق بين الروح والشخص حادث ألا إنّ أيام الفراق حسوم
إلى العالم العلوي تزمع رحلة نفوس، وتبقى في التراب جسوم


واتهم الأديان جملة (إذا أُسيئت فهمها) لاستسلامها للتقليد:
هفت الحنيفة والنصارى ماهتدت
ويهود حارت والمجوس مضلله
إثنان أهل الأرض: ذو عقل بلا دين
، وآخر دين لا عقل له


الفكرة في النثر الفني

المنحى الفكري في النثر أقوى منه في الشعر، لأن النثر طليق من القيود التي تكبّل اللفظة وتتحكم بالفكرة. وقد قال طه حسين: النثر لغة العقل. ويمكن أن نذكر على سبيل المثال:
قضايا المجتمع: العدالة الاجتماعية- الحسن البصري. والتعاون الاجتماعي: اخوان الصفا
شؤون الفكر: التعليل العلمي - أبو حيان التوحيدي. والبحث الأدبي – ابن خلدون وطه حسين (مثلا الشعر الجاهلي
موضوع أدبي صيغ في قالب علمي ومنهج فلسفي وتاريخي وتحليلي).
مباحث الفلسفة: النظر الفلسفي- الجاحظ. والانطلاق الغيبي- أبو العلاء المعري في رسالة الغفران.
مسائل السياسة: الفارابي والمعتزلة وابن خلدون وحسن البنا (9).


لنرجع إلى أبي العلاء وفكره، وهذا يتطلب منا أن نفهم شخصيته، ليس من خلال سيرته فقط، إنما أيضا من خلال وصفه لذاته، وعزته بنفسه، ورفضه مدح الحكام أيا كان، لأن الشاعر يُخلِد الحاكم، وليس العكس، فما أكثر ظلم الحكام الجهلاء الظالمين الذين مدحهم بعض الشعراء.

أجمل ما يمكننا فهم هذا المفكر المعري العربي هو قراءة قصيدته ودراستها بتمعن:
ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل
عفـاف وإقدام وحـزم ونائل
أعندي , وقد مارست كل خفية
يصـدق واش أو يخـيب سائل
أقل صدودي أنني لك مبغض
وأ يسر هجري أنني عنك راحل
إذا هبت النكباء بيني وبينكم
فأهون شـيء ما تقول العواذل
تعد ذنوبي عند قوم كثيرة
ولا ذنب لي إلا العلا والفضائـل
كأني إذا طلت الزمان وأهله
رجعت وعندي للأنـام طوائـل
وقد سار ذكري في البلاد فمن لهم
بإخفاء شمس ضوءها متكامـل
يهم الليالي بعض ما أنا مضمر
ويث قل رضوى دون ما أنا حامل
وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآت بما لم تسـتطعـه الأوائل
وأغدو ولو أن الصباح صوارم
وأسري ولو أن الظلام جحافل
وأي جواد لم يحل لجامه
ونضو زمان أغفلتـه الصياقل
وإن كان في لبس الفتى شرف له
فما السيف إلا غمده والحمائل
ولي منطق لم يرض لي كنه منزلي
على أنني بين السـماكين نازل
لدى موطن يشتاقه كل سيد
و يقصر عن إدراكـه المتناول
ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا
تجاهلت حتى ظن أني جاهـل
فواعجبا ، كم يدعي الفضل ناقص
وواأسفا، كم يظهر النقص فاضل
وكيف تنام الطير في وكناتها
و قد نصبت لفرقدين الحبائـل
ينافس يومي في أمسي تشرفا
وتحس د أسحاري علي الأصائل
وطال اعترافي بالزمان وصرفه
فلست أبالي من تغول الغوائـل
فلو بان عضدي ما تأسف منكبي
ولو مات زندي ما بكته الأنامل
إذا وصف الطائي بالبخل مادر
وعير قسـا بالفهاهـة باقـل
وقال السهي للشمس أنت خفية
وقال الدجي للصح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهة
وفاخرت الشهب الحصى والجنادل
فيا موت زر ، إن الحيـاة ذميمة
ويا نفس، جدي، إن دهـرك هازل


قارن البيت الأخير من القصيدة
بقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام. إنها الدنيا التي قال عنها الإمام :
"يادنيا إليكِ عنّي، أبي تعَّرضْتِ، أم إليَّ تشوقتِ، لا حانَ حَينُكِِ، هيهاتَ غُرّي غيري، لاحاجةَ لي فيكِ، قد طلقتك ثلاثا لارجعة فيها، فعيشُكِ قصير، وخَطَرُكِ يسير، وأَمَلُكِ حقير، آه من قِلّةِ الزّادِ، وطولِ الطَريقِ، وبُعدِ السفرِ، وعظيمِ المورِدِ"(10).


ينبغي أن لا ننس، وما قيل عنه. فهو مؤلف ألف وثمانمئة وخمسة أبحاث أدبية في قضايا المجتمع وشؤون الفكر، والأدب النقدي والنقد الأدبي، والإسلام، ومباحث الفلسفة والعلم والمعرفة والتاريخ باللغتين العربية والفرنسية.
فهذا شاعرنا الجواهري يرحب قدوم طه حسين عميد الأدب العربي ليترأس مهرجان الاحتفاء بأبي العلاء المعري في سوريا عام 1944، بقصيدة عنوانها ‘‘ أحييك طه ‘‘ جاء فيها:
أحييك ((طه)) لا أطيل بك السجعا
كفى السجع فخرا محض اسمك اذ ترعى
أحييك فذا ً في دمشق وقبلهـا
‏ ببغداد قد حييت أفذاذكم جمعا
شكوناك إنا في ضيافـة نابغ
نمتع منـه العين والقلب والسمعا
وكنا على آدابك الغر قبلـها
ضيوفا فما ابقيت في كرم وسعا
نهضت بنا جيلا وابقيت بعدنا
لابنائـنا ما يحمدون به المسـعى
أنبيك ان ((الرافدين)) تطلعت
ضفافهما واستنهض الشجر الزرعا
هلم لشطئان الفراتين واستمع
أهازيجها تستطرف المعجز البدعا
هناك تلمس ((ضائع الحب)) وافتقد
ضحاياه وارأب للقلوب صدعا


جدد لنا عهد المعري: انه
قضى وهوى بغداد يلذعه لذعا
ونهوي السفين الحائرات كأنها
سفينته اذا تشتكي الاين والضلعا
أجل قد خطفناها مخافة فرقة
وخشية ازماع نضيق به ذرعا
أبا الفكر تستوحي من العقل فذّه
وذا الأدبِ الغضِّ استثرتَ به الطبعا
ويا سحر موسى إنَّ في كل بقعة
لما تجتلي من آيةِ حيّةً تسعى
لك الله محمولاً على كلّ خاطرٍ
ومن كل قلبٍ رحْتَ تحتله ترعى


وذاك نزار قباني، قال أنشد في قصيدة طويلة من ستين بيتا بعنوان ‘‘حوار ثوري مع طه حسين‘‘، ألقاها في الذكرى المئوية لميلاد طه حسين أقتبس منها الأبيات التالية:
ضوءُ عينيكَ ، أم هُما نَجمتانِ
كلهم لا يرى .. وأنت تراني
لست أدري من أين أبدأُ بَوحي
شَجَرُ الدمع شاخ في أجفاني
…………………
إلى أن قال:
آه يا سِّيدي الذي جعلَ الليلَ نهاراً ..
والأرض كالمهرجان
أرمِ نظارتيــك كي أتملىَّ
كيف تبكي شواطئ المرجانِ
أرمِ نظارتيك ! ما أنت أعمى
إنما نحن جــوقة العميان
أيها الأزهري يا سارق النار
يا كاسـرا حـدودَ الثواني
عد إلينا فإن عصرك عصـر
ذهبي ونحن في عصر ثاني
عد الينا فان مايكتب اليوم
صغير الروئ .. صغير المعاني
ذبح الشعر والقصيدة صارت
قينه تشترى .. ككل القياني
جردوها من كل شي ...
وأدموا قدميها باللف والدوران
لاتسل عن روائع المتنبي
والشريف الرضي....أو حسان
ماهو الشعر ؟.. لن تلاقي مجيبا
هو بين الجنون والهذيان
عد الينا ياسيدي ... عد الينا
وانتشلنا من قبضة الطوفان


هذا هو عميد الأدب العربي الذي لُقِب بفولتير العرب وأحب النقاد إليَّ، وهو واحد من أكثر الأدباء المعاصرين ثقافة، وأبلغهم منهجية. أخذ حيزا كبيرا إلى جانب عدد كبير من المفكرين العرب والغربيين في أبحاثي الأكاديمية الأدبية والفكرية والثيولوجية في السويد وبريطانيا. ولا أزال تلميذا في مدرسة الفكر والأدب والنقد، أحتاج لكل إضافة وجديد ونقد منهجي معلل من كل كاتب وناقد مبدع أتعلم منه.
وهذا هو معري القرن العشرين، كان مؤمنا فاتهموه بالكفر لأنه انتقد بجرأة ومنهجية. أيقظ العقل العربي من كسله، فتعرض كفيلسوف الشعراء لكثير من المصائب والمشاكل والآلام، واتخذا أسلوب العبث منهجا لمقارعة الذين استسلموا للبديهيات دون تحليل ونقد وبحث منهجي. من هنا دخلا معركة الأدب والحياة وانتصرا على الجهل ورفعا راية الأدب والفكر بجرأة وعزة نفس وإباء.
كيف كان وكيف يكون؟ هذا ما أشرحه في القسم الثاني من هذا اللقاء.


******



توقيع :  وليد

 

قمرٌ تغزلتْ النجومُ بحسنِه .... وسبورة .. فيها كل حســـــــــنٍ يفتــــــن
هي فرحةٌ غنت بها أيامها .... نشــــــــــوانةٌ تشـــــدو بها وتُلَــــــــحنُ
عانقتُ فيكِ يا حياتي فرحتي ..... يا من بروحي في فؤادي تســـــــــكن
في مهرجان الحسنِ وجهك مـشرق ... وخطى النجاح من دربك تتمكن
فامضِ رعـــــــاك الله لا تتهاوني ..... ما فاز في اللــــــــــذات إلا متقن

شعر : وليد الصالح

وليد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-10-2011, 04:20 PM   #50
وليد وليد غير متواجد حالياً
عضو شرف

بيانات :- وليد
وليد is on a distinguished road
 
افتراضي

مقارنة د. طه حسين
بين المعري وبشار بن برد
د. ممدوح أبوالوي




إذا كان د. طه حسين (1889-1973) قد وجّه انتقاداً لكل من شخصية ابن الرومي، وأبي نواسٍ، والبحتري، وابن المعتز، فقد أشاد بشخصية أبي العلاء المعري (973-1057م). ويرى د. طه حسين أنّ أبا العلاء المعري يتميز عن كلّ الشعراء الذين عاصروه، بأنّه الشاعر الوحيد في عصره، الذي رفض مدح السلاطين والأمراء والتكسب بالشعر، لأنّه كان يكره الكذب،
ويرى أن المال الذي يكسبه الشعراء من المدح، هو مال حرام قد يكون أخذه أمير معين من المظلومين والمقهورين. فالمعري، برأي د. طه حسين أعجوبة دهره، لأنّه الشاعر الوحيد الذي استكبر على التكسب بالشعر. ويقول د. طه حسين: (بل نكاد لا نعرف للشعراء غرضاً واضحاً من شعرهم أكثر من التماس العيش به). ويتابع د. طه حسين: (وجملة القول إنّ الوراثة، وخلق الحياء، وكبر النفس والأنفة من الكذب،والرحمة بالضعفاء، قد اشتركت في حرمان أبي العلاء لذة التكسب بالشعر في طور شبيبته).

وكان أبو العلاء صادقاً وأميناً, ويذكر د. طه حسين الحادثة التالية التي جرت مع المعري في بيت الشريف المرتضى. إذ جرى حديث عن المتنبي (916-966م)، وكان المرتضى يكرهه والمعري يحبه، (فانتقصه المرتضى، وأخذ يتتبع عيوبه. فقال أبو العلاء: لو لم يكن له إلا قوله:
(لكِ يا منازلُ في القلوب منازلُ)
لكفاه. فغضب المرتضى وأمر بإخراجه، ثم قال المؤرخون: سحب برجله حتى أخرج. ثم قال المرتضى لمن حضره: أتدرون لمَ اختار الأعمى هذه القصيدة دون غيرها من غرر المتنبي؟ قالوا: لا، قال: إنّما عرّض بقوله:
وإذا أتتْكَ مذمَّتي من ناقصٍ
فهيَ الشهادةُ لي بأنيَ كاملُ

وتدل ّهذه القصة على حذق أبي العلاء في التعريض، وقوة المرتضى في الفهم. ويتابع د. طه حسين مدحه لأبي العلاء: (إنّما قضى الرجل حياته ثابت النفس، راجح الحلم، مصيب الفكر، قوي العقل، صادق الذوق، معتدل المزاج إلى أن أصابه المرض الذي مات فيه).

ويتابع د. طه حسين مدحه للمعري، في كتابه (تجديد ذكرى أبي العلاء) ويقول: (ومن أظهر أخلاقه ضبط النفس، وقهر الشهوات...كان أبو العلاء رقيق القلب، شديد الرحمة، كثير العطف على الضعيف..)، ولأنّ أبا العلاء كان رحيماً، بل كان مفرطاً في الرحمة، حرّم ذبح الحيوان وأكل لحمه، فهو يقول في هذا الموضوع:
فلا تأكلَنْ ما أخرجَ الماءُ ظالماً
ولا تبغِ قوتاً من غريضِ الذبائحِ
ولا تفجعَنَّ الطيرَ وهي غوافلٌ
بما وضعتْ فالظلمُ شرُّ القبائحِ
مسحتُ يدي من كلِّ هذا فليتني
أبهتُ لشأني قبلَ شيبِ المسائحِ
ويتابع د. طه حسين: (كان أبو العلاء كريماً سخياً، طيب النفس، يبذل المال إذا ملكه،... فأمّا وفاؤه لأصدقائه وحفظه لودادهم، فحدّث عنه ولا تخش بأساً).
و يقول د. طه حسين في كتابه الآخر عن أبي العلاء المعري، وهو بعنوان مع أبي العلاء في سجنه(1939): (تقوى في نفس أبي العلاء عاطفتان، كان لهما أعظم الأثر في حياته، وأعظم السيطرة عليها، عاطفة الحياء من جهة، وعاطفة سوء الظن، من جهة أخرى).

ويقارن بين أبي العلاء وبين بشار بن برد (714-784م), فيرى أنّ بشاراً (كان كأبي العلاء ذكي القلب إلى أبعد حدود الذكاء، دقيق الحس إلى أقصى غايات الدقة، قوي الشعور إلى أرقى مراتب القوة، غزير العلم، واسع المعرفة، فصيح اللسان، بارعاً في الشعر، قادراً على التصرف فيه،إلى حيث لم يسبقه شاعر عربيّ, وكان كأبي العلاء ضريراً مكفوفاً. وكان كأبي العلاء فيلسوفاً عميق الفلسفة، مفكراً دقيق التفكير، متشائماً مسرفاً في التشاؤم، سيئ الظن بالناس، سيء الظن بالطبيعة، سيئ الظن بكلّ سيئ, ولكنّه مع ذلك سار في حياته الطويلة سيرة أقل ما توصف به أنّها مناقضة كلّ المناقضة لسيرة أبي العلاء.
إذا كانت سيرة أبي العلاء سيرة طهارة ونقاء وبراءة من الإثم والعيب، فسيرة بشارٍ هي العهارة والدنس والتهالك على الإثم والإغراق في العيب. وإذا كانت سيرة أبي العلاء تواضعاً بل إسرافاً في التواضع، فسيرة بشار هي الكبرياء، بل تجاوز الكبرياء، إلى ما هو شر منه، إلى التيه والغرور.

وإذا كانت سيرة أبي العلاء زهداً في الدنيا، بل إعراضاً عنها, بل بغضاً لها، فسيرة بشار رغبة في الدنيا، بل تهالك عليها، بل فناء فيها).

وأبو العلاء يعذّب نفسه، ويحرمها من تلبية الشهوات,وينصح الآخرين بذلك:

وأمّا الخمرُ, فهي ُتزيلُ عقلاً
فتحتَ به مغالِقَ مُبهماتِ
تذيعُ السرَّ من حرّ وعبدٍ
وتُعربُ عن كنائزَ مُعجَماتِ
فلا تسألْ: أهندٌ أمْ لميسٌ
ثوتْ في النسوةِ المتخيّماتِ
ولا ترمقْ بعينكَ رائحاتٍ
إلى حمّامهنّ، مكمّماتِ

ويتابع د. طه حسين مقارنته بين المعري وبشار بن برد، ويرى أنّهما كانا متشائمين,بشار متشائم، انتهى به تشاؤمه إلى الفجور والإسراف في تلبية الشهوات، والمعري متشائم انتهى به تشاؤمه إلى الطهارة. ويعود ذلك إلى اختلاف المجتمع الذي عاش فيه كلّ منهما، فلقد عاش بشار في بيئة زندقة وفجور، وعاش المعري في بيئة ورعٍ وتقوى. وأسرة بشار فارسيّة فقيرة، وأسرة المعري عربيّة لم تعرف إلا العزة والكرامة والحرية. عاش بشار في عصر الاضطرابات السياسيّة والأخلاقيّة، وعاش المعري في عصر الاستقرار النسبيّ الأخلاقيّ والسياسيّ، فكان بشار لا يعرف الخجل والحياء، وعاش المعري والخجل والحياء أهم صفاته. فكانت غرائز بشار هي المسيطرة على حياته. وأمّا المعري فهو المتحكم في غرائزه. وكان بشار محباً للمال يناله عن طريق المدح أو الهجاء، أمّا المعري فلا يطلب المال لا عن طريق المدح ولا عن طريق الهجاء.

وبذلك فإنّ شخصية المعري شخصية محببة لطه حسين، على عكس شخصية بشار بن برد، ويكتب د. طه حسين في الجزء الثاني من حديث الأربعاء (1924) عن بشار بن برد: (ليس وجه بشار بذلك الوجه المشرق الجذاب، الذي يستميلك ويستهويك، وإنّما هو فيما أعتقد وجه ثقيل الظل)، ويتابع: (كان مسرفاً في النفاق). ويرى أنّه كان زنديقاً وشعوبيّاً ومنافقاً: (كان في حقيقة الأمر فارسيّاً في كلّ شيءٍ, كان فارسيّاً في زندقته، يقدّم النار التي يعبدها الفرس، وكان فارسيّاً في أهوائه وميوله السياسيّة، فلم يكن يحبّ العرب، ولا يرتاح إليهم، وإنّما يحتملهم احتمالاً. كان بشار إذن زنديقاً ممعناً في الزندقة، وكان شعوبيّاً متشدداً في الشعوبيّة، وكان يحتمي بالنفاق أيضاً,... كان شديد الولع بالنساء، وكان يكره الناس ولا سيّما إذا استطاع أن يظهر كراهيته. وكان المعري على عكس بشار، فكان يحبّ كلّ الناس، بل كف أذاه عن الناس وحتى عن الحيوان، كما أسلفنا، وودّ لو يستطيع أن يكف عنه أذى الناس. ويتابع د. طه حسين عن المعري في كتابه (مع أبي العلاء في سجنه) (1939): (فلم يسئ إلى أحدٍ بيدٍ ولا بلسانٍ ولا بنيةٍ)

ويكتب د. طه حسين عن غزل بشار بن برد، فيرى أنّه ليس كثيراً، وليس بالقليل أيضاً، وهو سواء أكان كثيراً أم قليلاً, لا يمثل عاطفةً ولا شعوراً صادقاً، وإنّما يمثل أمرين اثنين: يمثل تهالكاً على اللذة, وإفحاشاً في هذا التهالك، وافتناناً فيه أيضاً دون أن يراقب الشاعر في ذلك خلقاً أو أدباً أو ديناً.وعلى الرغم من أنّ د. طه حسين وجّه انتقادات لاذعة لبشار بن برد, إلا أنّه أشاد بجمال شعره, فيقول عنه: (وكان إلى ذلك نابغةً في الشعر،يكاد ينعدم نظيره في قوة الذكاء، وحدة الذهن.)

ولكن، د. طه حسين يكره سلوك بشار بن برد، ويصفه بأنّه كان أقبح الناس وجهاً, ويرى أنّ بشاراً ضرب بالسوط حتى الموت بسبب هجائه للخليفة المهدي، ويرى أنّ الناس تنفسوا الصعداء حين سمعوا بموت بشار, فحمدوا الله لأنّه أنقذهم من بلاء عظيم.



توقيع :  وليد

 

قمرٌ تغزلتْ النجومُ بحسنِه .... وسبورة .. فيها كل حســـــــــنٍ يفتــــــن
هي فرحةٌ غنت بها أيامها .... نشــــــــــوانةٌ تشـــــدو بها وتُلَــــــــحنُ
عانقتُ فيكِ يا حياتي فرحتي ..... يا من بروحي في فؤادي تســـــــــكن
في مهرجان الحسنِ وجهك مـشرق ... وخطى النجاح من دربك تتمكن
فامضِ رعـــــــاك الله لا تتهاوني ..... ما فاز في اللــــــــــذات إلا متقن

شعر : وليد الصالح

وليد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-10-2011, 04:22 PM   #51
وليد وليد غير متواجد حالياً
عضو شرف

بيانات :- وليد
وليد is on a distinguished road
 
افتراضي

حرف الميم في مراثي الأمّهات..
أبو العلاء المعري


د. عدنان الظاهر









أبو العلاء المعري ( 363 - 449 للهجرة )


أبو العلاء المعري - رهين المحبسين وفيلسوف معرة النعمان - فأنه هو الآخر قد نكب بعد المتنبي بوفاة والدته. فكيف يكون حزن الرجل الأعمى الذي زهد في الدنيا فعافها وما فيها. وكيف تكون وحدته وعلى أية درجة من القتامة اذ يمسي وحيدا بلا زوجة ولا أهل ولا ولد ولا من يرعى شؤونه الحياتية اليومية الرتيبة البسيطة حد تحريم أكل اللحوم :


هذا جناه أبي عليَّ
وما جنيت على أحدْ


ثم :
تعبٌ كلها الحياةُ فما أع
جبُ الا من راغب في ازديادِ
إنَّ حزناً في ساعة الموت أضعا
فَ سرور في ساعة الميلادِ




سألت متى اللقاء (10)
هذا هو عنوان مرثية أبي العلاء لأمه حيث قال فيها فأبدع صياغة العاطفة بقوالب الشعر العربي وتفعيلات الفراهيدي فعالجها في غاية المرونة وطوع عَصيّها كما الحداد الماهر يعالج بارد الحديد بمنفاخ النار مع الفارق. فنار الشاعر مُنصَهرُ روحه العلوية التي تتسامى لهباً ونوراً وناراً يخالطها الألم المكتوم الذي لا يكاد يبين... فلا يزيد من ناره الا أوارا فيحيلُ " سقط زنده " جحيما ولا جحيم الشاعر الأيطالي ( دانتي ) :


سمعتُ نعيّها صماً صمام
وإنْ قال العواذل لا همام
وأمّتني الى الأجداث أمٌ
يعزُّ عليَّ أنْ سارت أمامي


أجلْ ، فلقد عزَّ عليه كثيرا أنْ تموتَ قبله ، وكأنما كان يريد أن تتخذ الأقدارُ مساراً آخرَ مُغايرا ولكن هيهات. فلقد سبقه أبو الطيب اذ قال :


ما كلُّ ما يتمنّى المرءُ يُدركه
تجري الرياحُ بما لا تشتهي السَفَنُ


إن حسرة الشاعر على فقده والدته لفجيعة حقا. ولقد عبر عن هذه الفاجعة بأقصى آيات الصراحة والبراءة والبلاغة اذ تخيل نفسه وقد رجعت به السنون القهقرى طفلا رضيعا ، فما أمسّ حاجته لأم تغذيه اللبن مع الحنان, والحنان يأتي من الصدر الذي يعطي اللبن. وهل في الدنيا من يقوم مقام الأم بالنسبة لرضيع ؟ فلنسمعه يقول :


مضتْ وقد اكتهلتُ فخلتُ إني
رضيعٌ ما بلغتُ مدى الفطام
فيا ركبَ المنون أما رسولٌ
يبلّغُ روحَها أرَجَ السلام
سألتُ متى اللقاءُ؟ فقيل حتى
يقوم الهامدون من الرجام
فصرّفني فغيّرني زمانٌ
سيعقبني بحذف وادّغام


ثم يشرق الشاعر ومن ثم يغرب متهربا من موضوع قصيدته الأصل هنا وهناك تهيبا من المصاب الجلل تارة وأشفاقا على نفسه التي ناءت بحمل لا يطاق تارة أخرى, حتى ينهي القصيدة بالأوبة التي لا مناص منها لمناجاة حبيبته الوالدة التي لا ثاني يضاهيها في الحياة. وهل تتكرر والدة ؟


كفاني ريها من كل ري
الى أن كدت أحسب في النعام
سقتك الغاديات فما جهام
أظل على محلك بالجهام
وقطر كالبحار فلست أرضى
بقطر صاب من خلل الغمام


وبعد ألف عام أختار الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري كما سنرى لاحقا ذات البحر وعين الروي والقافية لقصيدته التي رثى بها أمه . فأي تأثير قوي عجيب مارسه ولما يزل هذا العبقري الأعمى على المحدثين من ذوي البصيرة والبصائر من الشعراء ! لقد رد الجواهري له الجميل في قصيدته التي القاها في مهرجان ذكرى ألفية ابي العلاء المعري الذي أقامه المجمع العلمي العربي في دمشق (11) ومطلعها :


قف بالمعرة وامسح خدها التربا
واستوح من طوق الدنيا بما وهبا
واستوح من طبب الدنيا بحكمته
ومن على جرحها من روحه سكبا



حرف الميم مرة أخرى


أعود ثانية لحرف الميم اياه. ففي البيت الثاني من قصيدة المعري ورد حرف الميم مرات أربع في ثلاث كلمات أدت معاني مختلفة وان كانت ترجع أساسا الى أصل واحد. والمعري بارع في هذا الفن (12) وأشعاره تزخر بهذه النماذج وأضرابها من الجناس والطباق والتورية وباقي المحسنات البديعية. يقول في هذا البيت :


وأمّتني الى الأجداث أمٌّ
يعزُّعليَّ أنْ سارت أمامي


لقد تكرر حرف الميم هنا أربع مرات. والذي يؤم الصلاة هو الإمام ، وإمامُ الصلاة هوالذي يتقدم صفوف المصلين، أي أنه يقف أمام الجميع. فأي خشوع يعانيه هذا الأبن الأبر اذ يلفظ كلمة " أم" ؟ حتى أنه لكأنه يروم أن يقول أنَّ الموتَ فرضٌ آخر يحتاج بدوره الى إمام يقود الناس اليه وانهم يمارسونه كإحدى الشعائر المقدسة المفروضة على بني الأنسان. فالموت , كالصلاة, لا بد له من إمام ينسّق ويُوجّه الناس اليه في سفرهم الأخير.
إنَّ قصيدة " سألتُ متى اللقاء " واحدة من اصعب قصائد أبي العلاء, لا من حيث تعقيد تراكيب الجُمل حسبُ, بل ومن حيث غرابة معانيها وغرابة ما أختار من مفردات الأمر الذي قد لا نجده في باقي أشعاره الا فيما ندر ( واقصد أشعار ديوان سقط الزند فقط ) .
ورد في قصيدة رثاء الشاعر لأمه - وهي في أربعة وستين بيتا - ذكرأسماء عشرة حيوانات هي حسب تسلسلها في القصيدة : الحمامة والنسر والأسد والفراشة والحية والناقة ( تلميحاً وتضمينا ) والحرباء والجنادب والضب والنعام. فعلام يدل هذا إنْ كان له ثمة من دلالة ؟ هنالك تفسيرات لهذا الأمر متداخلة لدرجة يصعب معها أو يستحيل الفصل فيما بينها ما دام الشاعر موضوع البحث شخصا كأبي العلاء المعري :
1- الإسراف في ذكر الحيوان ينمُّ أو حتى يفضح حاجة المرء لأكل اللحوم التي حرمها على نفسه طوعا.
2- التعويض عما يحسه في قرارة نفسه من نواقص وعلل في الشائع والمعروف من صفات هذه المخلوقات. فالوداعة في الحمامة هي وداعة الشاعر الضرير الملازم داره. وكتمانها الصوت المغرد دون القدرة على فتح المنقار فيه الكثير مما نجده في طبع وفي ظروف الشاعر من ميل للتكتم والإعتزال ثم استحالة الحركة الحرة بالنسبة لرجل أعمى. لقد أستأثر الحمام بأهتمام خاص من لدن الشاعر خاصة في بعض مراثيه وحيثما يتطلب الأمر بث الشكوى والتعبير عن الأحزان, كما فعل في قصيدة " ضجعة الموت رقدة " التي رثى فيها أبا حمزة ومطلعها أشهر من أن يعرف:


غيرُ مجدٍ في ملّتي وإعتقادي
نُوحُ باك ولا ترنّمُ شادِ
أَبَكتْ تلكمُ الحمامةُ أم غ
نّتْ على فرع غصنها الميّادِ
أبناتِ الهديل أسعدن أو عد
نَ قليلَ العزاء بالإسعادِ
إيهِ لله دَرّكنَّ فأنتنَّ أل
لواتي تُحسنَّ حفظ الودادِ


ثم لاحظ قوله في القصيدة موضوعة البحث :


وحمّاء العلاط يضيقُ فوها
بما في الصدر من صفة الغرام
تداعى مصعدا في الجيد وجدٌ
فغال الطوقَ منها بأنفصام


اي ان الوجد المتصاعد كاد أن يشق طوق الحمامة الأسود الذي يطوق رقبتها ، فإنَّ هذا الطوق لا يصمد أمام جَيَشان الوجد المُنغّم المشدو هديلا. فالوجدُ عات لكنَّ سبيلَ التعبير عنه في غاية الضيق. ورهين المحبسين يعرف كيف يداري شجونه ويدري كيف يصرفها وهوالكاظم الأعظم للنزعات البشرية وكابح دواعيها. ومن يتغلب على دنياه لا يشق عليه قهر نداءاتها وإنْ ألحّتْ. هذا المنهج ليس طارئا على الشعر العربي كما نعلم. فلقد سبق أبو فراس الحمداني أبا العلاء المعري في هذا المضمار اذ خاطب الحمامة وهو في سجنه أرق خطاب :


أقول وقد ناحت بقربي حمامة
أيا جارتا لو تشعرين بحالي
ايا جارتا ما أنصف الدهر بيننا
تعالي أقاسمك الهموم تعالي
لقد كنت أولى منك بالدمع مقلةً
ولكن دمعي في الحوادث غالي


والمقابلة هنا جد واضحة بين الأسر الروحي والبدني وبين الحرية التي تنعم بها الحمامة . هذا عن الحمامة اما النسر فله رموزه ومغازيه ولعل أبرزها- فضلا عن حرية الانطلاق- الشموخ والطيران على ذرى الجبال والقمم العوالي. ثم حدة البصر الذي يفتقده الشاعر المسكين اصلا. وفي الأسد البأس والجبروت واحتقار الرمم والجيفة والميتة ثم أنه مليك الغاب بلا منازع. ومن ذا الذي أستطاع أن ينافس أبا العلاء في زمانه شعرا وفكرا وفلسفة وألتزاما ؟ أما الضب والنعام فأنها تحاكيه في جَلَده وفي تمنّعها عن الماء وصبر النعام على العطش :


كفاني ريُّها من كل ري
الى أن كدتُ أحُسَبُ في النعام


أما تعلق المعري بالناقة فلا مثيل له ولا يلام. فالناقة واسطة نقله من بغداد الى بلاد الشام :


طربن لضوء البارق المتعالي
ببغداد وهنا ما لهن ومالي


وإبله يطربها فرح التوجه نحو مسقط الرأس بعد أن برم ببغداد :


وكم همَّ نضوٌ أن يطير مع الصبا
الى الشام لولا حبسه بعقالِ
ولولا حفاظي قلت للمرء صاحبي
بسيفك قيدها فلست أبالي


ثم إنَّ الناقة مصدر لبن الشاعر وصنوه في مكابدة العطش وأحتمال الأذى والمشاق. لقد خص الشاعر الحمامة بخمسة أبيات في قصيدة " متى اللقاء " وخص الأسد( وأسماه الورد) بعشرة أبيات والأفعى بتسعة. وهذا الأمر يبدو في غاية الغرابة. اذ ما الذي يستهوي المعري في الأفاعي؟ لقد توارد في هذه الأبيات التسعة ذكر ألفاظ عميقة الدلالة, الا أن تحليل مراميها في غاية اليسر. فالدروع( وله قصائد خاصة بها) وسم الأفعى الذي يحيل الجبل كثيبا من الرمال, وجلدها الذي تبدله مرارا كل عام هي في الحق تعبيرات ظاهرية تخفي في طياتها رموزا بعيدة الغور في بحور هذا الرجل المنطوي القاصر المتشائم الكثير الحذر. لا بد من طرح السؤال الأتي : ما دخل رثاء والدته بهذا الحشد الغريب المنوّع من البهائم ؟ وفيها الوديع وفيها الصبور القانع كما أن فيها اللئيم والمفترس.
الحمامة : أحسب أن الحمامة في هذه المرثية هي أم المعري بعينها, وأن الأسد الورد والده. وعلى هذا فلقد أخطأ مفسرو القصيدة - وقد هرب منها طه حسين كما سنرى هروبا مطلقا - في تعليقاتهم على حمامة المعري. فلنسمعه ماذا قال :


أشاعت قيلها وبكت أخاها
فأضحت وهي خنساء الحمام


أما مفسرو القصيدة(4) فقد ذهبوا الى أن هذه الحمامة قد جهرت بصداحها !! وماذا في الأمرهذا من غريب ؟ وهل يستوي هذا التفسير السطحي , وهوليس بتفسير أصلا, مع الغموض والإيهام وفلسفة التورية التي شهر بها المعري(12) ؟؟ الصحيح كما أراه أنا, أن أمَّ الشاعر (وهي موضوع الرثاء) كانت قد فقدت زوجها أو سيدها ( قيلها ) فشيعته الى قبره ( أشاعت قيلها ) . وهذا التفسير متطابق مع حقائق الأمور المعروفة عن تأريخ عائلة المعري. أما الخنساء فخطبها مع أخيها صخر غني عن التعريف :


يذكرني طلوع الشمس صخرا
وأذكره لكل غروب شمسِ
ألا يا صخر لا أنساك حتى
أفارق مهجتي ويشق رمسي


الأسد : اما الأسد الورد ( أي الأشقر اللون ) فلست اعدوالحقيقة اذ أقرر أنه لا يمكن الا أن يكون والد الشاعر نفسه. قال في وصفه وفيما حوله وجمر عينيه الذي يجتذب الفراش اليه ليلا وهي تتقد شررا وتتوهج نارا. لقد وصف فأبدع في وصفه لدرجة يحسده عليها الكثير من المبصرين سواء أكانوا شعراء أو رسامين :


بدا فدعا الفراش بناظريه
كما تدعوه موقدتا ظلامِ
بناري قادحين قد استظلا
الى صرحين أو قدحي مدام
كأن اللحظ يصدرعن سهيل
وآخر مثله ذاكي الضرام
تطوفُ بأرضه الأسْدُ العوادي
طوافَ الجيش بالملك الهُمام
وقال لعرسه بيني ثلاثا
فما لك في العرينة من مقام


فهل رأيت أجمل أو أكمل من هذه اللوحة التي رسمها فنان كفيف البصر؟ الصدق والدقة في محاكاة الطبيعة من شدة لمعان عيني الأسد وحمرة سهيل النجم وتوقان الفراش للضوء ليلا . ثم يؤوب بعاطفته منكفئا بعد كل هذا التطواف المكثف والشديد الرمزية الى عالمه الخاص والمغرق في الخصوصية. ففي لحظة موت الأم من هو الأحرى بالتذكر غير الأب الذي فارق الحياة وقتما كان الشاعر في الرابعة عشرة من عمره. فهذا الملك هو والده بعينه وكل البرية طرا هي هذا الجيش اللجب الباقي على قيد الحياة حيث يلتمس الشاعر فيه بعض العزاء وبعض القوة يستعين بهما في مغالبة ضعفه المركب : اليتم المزدوج والعمى. اما البيت الآخير فإنه من الوضوح بحيث لا يترك زيادة لمستزيد : " وقال لعرسه بيني ثلاثا " لقد فارق الوالد زوجه الفراق الأبدي الذي لا من رجعة بعده, عبّرَ عنه بالبينونة الثلاثية الكبرى في الشرع الأسلامي.


الحية : أما الحية ( الحباب ) , وقد خصها بتسعة أبيات كاملة, فإنها في نظري التعبير الرمزي اللاشعوري عن الخوف وتوقع الدسائس ومكائد الحساد والخصوم. فالأفعى سامة في شعر أبي العلاء , والأفعى تغير جلدها بشكل دوري دلالة على قلق الرجل وانعدام الثبات في الحياة, والأفعى رقطاء وكل رقطاء سامة :


على أرجائها نقط المنايا
مُلمّعة بها تلميعَ شامِ


لاحظ روعة الجمع بين صفات الحيوان ( الأفعى ) وبعض ما نعرفه عن طبيعة البشر(الشامة) والدلالات التي يحملها مثل هذا التشبيه والمقابلة. نقط الأفعى ( وهي سامة قاتلة )على جلدها تقابلها شامة جلود بني البشر. فهل أراد المسكين أن يقول أنْ لا فرقَ بين البشر والأفاعي : الكل سام وغادر فتاك ؟ قال المعري هذه القصيدة بعد رجوعه الى المعرة تاركا بغداد حيث أبلغ بخبر وفاة والدته وهو في الطريق. يقرر طه حسين (4) أن المعري لم يسلم في بغداد , وقد أقام فيها سنة وسبعة أشهر, من حسد الحساد ومن كيد الكائدين. ولقد أهانه أثنان من رجالات بغداد يومذاك. أولهما الشريف المرتضى الذي استفزه المعري ببيت المتنبي الشهير ( وأذا أتتك مذمتي من ناقص...) وثانيهما هو النحوي أبو الحسن علي بن عيسى الربعي. فكيف ينسى هذا العبقري الضرير المسالم والعاجز إساءة من أساء اليه ؟ سيما وأن أدبه الجم وتربيته ووضعه العام كلها لا تمكنه من أن يرد أو أن يقابل الإساءة بمثلها. فكل من أساء وكل من يزمع أن يسيء لهذا الطفل- الرجل الوديع انما يتشكل أفعى بنابين في شعوره الباطن أو لاشعوره بلغة ( فرويد ) أولا وفي شعره فيما بعد ثانيا. ثم إنَّ الأفعى اللعينة هي التي أغوت أبانا آدم وزينت له طريق المعصية بالأكل من شجرة الخُلد المحرمة فاستحق بذلك العقاب ومن ثم الطرد من الجنة :


أبوكم آدمٌ سنَّ المعاصي
وعلمكم مفارقة الجنانِ


كما قال المتنبي في القصيدة التي مدح بها (عَضُد الدولة البويهي) ويذكر في طريقه اليه ( شعب بوّان )(3)



طه حسين ومرثية المعري


رغم إعجاب الدكتور طه حسين بالمعري فكرا وفنا وشخصا, ورغم أنه كتب فيه أكثر من خمسمائة صفحة من مجلده الثالث ( من تأريخ الأدب العربي ) لكن لا نرى إلا ذكراً عابراً للقصيدتين اللتين رثى بهما المعري أمه. ذكرهما في ثلاثة مواضع حسب, مجرد ذكر عابر مقتضب حتى أنه لم يكلف نفسه ذكر اسمي القصيدتين. هذا الأمر يدعو حقا للدهشة. كما أنه لم يكن مقتنعا بأن هاتين القصيدتين من الرثاء, بل وعدّهما من الوصف (4). وعلى الضد من هذا نراه يُسهب في شرح القصيدة التي رثى المعري فيها الفقيه الحنفي أبا حمزة والتي مطلعها :
غيرُ مُجد في ملّتي وأعتقادي
نَوحُ باك ولا ترنّمُ شاد


حتى أنه قال فيها (4) : ( نعتقد أن العرب لم ينظموا في جاهليتهم واسلامهم, ولا في بداوتهم وحضارتهم قصيدة تبلغ مبلغ هذه القصيدة في حسن الرثاء ). فهل يا ترى كان هذا هو السبب الرئيس الذي جعل الرجل يعزف عن تذوق أو شرح أو تقويم القصيدة الرائعة موضوعة البحث؟ أم أن هناك أسبابا أخرى جعلته يتجنب الخوض في نقد شعر صعب متشعب عويص التركيب والعمارة, وفيه ما يحتمل أكثر من وجه ويقبل أكثر من تفسير ؟ فأذا كان هذا حال هذه القصيدة " سألت متى اللقاء " فالرجل معذور, لأن الأمر يتطلب جهدا مضاعفا لا يقصر عنه عميد الأدب طه حسين لولا علة عينيه وأضطراره أن يستعين بالأخرين قراءة وكتابة وأستعادة وأستزادة. وهذه أمور يكرهها وإنْ قبلها مُكرَهاً. اذا وجدنا العذر للرجل , فبأي عذر يقنعنا المبصرون من النقاد والكتاب ومحبي المعري, قديمهم وحديثهم, وهم عن أمثال هذه القصيدة معرضون؟ لم أجدْ فيما قرأت تقويما أو شرحا حقيقيا لشعر الرثاء هذا وهو الذي يستحق الكثير من ذوي الذوق والإختصاص. إنَّ هذه القصيدة عالماً قائماً بذاته وبنياناً مرصوصاً مرصوفاً عظيم الهيبة كثير الجمال وشديد التنوع ولا يخلو من آيات الغرابة والسحر والأسطورة.
ثمة أمر آخر يسترعي انتباه قراء أدب طه حسين : اعجابه بمرثية المتنبي لجدته حدَّ وصف القصيدة بأنها خالدة. علما أنه لم يكن معنيا الا بتقصّي الغريب فيها والشاذ مما يمكن أن يستشف منه دليلا على غموض أصل المتنبي وأسرته ونشأته الأولى في الكوفة, بل وحتى وضاعة نسب الشاعر (4) .




بلحاج والمعري


لقد ذكر الأستاذ محمد مصطفى بلحاج ثلاثة أبيات من مرثية المعري " سألت متى اللقاء " (12). ذكرها اقتباسا من سواه من النقاد كأمثلة للتدليل على الإغراب كما في البيت :


وأذّنت الجنادبُ في ضُحاها
أذاناً غيرَ منتظر الإمامِ


ولا أعرفُ - حدَّ علمي - أنَّ شاعراً سواهُ من معاصريه أو ممن سبقه من شعراء العربية قد وظف حيوان " الجندب " في أشعاره . ثم كيف تؤذّن الجنادب ؟ أو البيت التالي :
وصرّفني فغيرني زمانٌ
سيعقبني بحذف وادّغام


أجل, ذكر الناقد هذين البيتين وبيتا ثالثا آخر كأمثلة على مدى ولع وتمكن المعري من فن الإلغاز والتورية والإبهام والإيهام. ولذا فقد كانت إمّا موضع إنكار واستهجان ، كما هي حالة البيت الأول ، أو أنها كانت موضع إستحسان ورضى وإعجاب ومديح كما هي حالة البيت الثاني. على إني لا أعتبر تناول مثل هذه الأبيات بالنقد الجمالي الصرف وبالإحتكام الى علم الهيئة والبديع والبيان وقواعد الصرف والنحو وما سواها , لا أعتبره نقدا نوعيا للقصيدة موضوعة البحث, وهي أساسا قصيدة رثاء كما نعرف. ويظل رأيي السابق على ما هو عليه من أن القصيدة هذه قصيدة مظلومة اذ لم يلتفت اليها - الى حد علمي - أحدٌ من النقاد وإنها لحريّة بكل اهتمام لفرادتها وما أشاعت من أجواء وما بثت من مشاعر تتصل ضعفا وقوة بأدق أحاسيس الإنسان وهويتملى شؤون الحياة والموت ويحيا مأساة موت أعزّ إنسان لديه, اذ ليس للشاعر من أحد بعد موت أبيه سوى أمه. لا تخلو القصيدة بوجه عام من الغموض. ومن قال إنَّ العالم واضح بالنسبة لضرير؟ والمسألة كذلك صحيحة بالنسبة للعالم الآخر. فالدنيا والآخرة عالمان غامضان للمبصر وبدرجة أشد للكفيف .ثم هل يستطيع رجل متزن حصيف الإعراب عن مشاعره بشكل صريح سيما اذا أتصل الأمر بعواطف الحزن وتابعه البكاء؟ وهل من المعقول والمقبول أن يبكي رجل بلغ أشده أو انه قد بلغ مبلغ الرجال؟ إذاً فالهروب إلى الرموز والإستعارات والتورية وما اليها اجدى وأكثر قبولا من إشهار دموع الحزن التي قد يلومه فيها أكثر من لائم. فمن ذا يلوم الشاعر اذا تذكر أباه الراحل وهو يرثي والدته؟ ومن ذا الذي يلومه اذا ما ذكر خاله المتوفى وكان شقيقا لأمه ( وبكت أخاها ) ثم وهو في أشد حالات الضعف والحزن, ما الذي يمنع استرساله مع أحاسيس الشجن والمحن التي لاقاها من الخصوم والحساد وخاصة أولئك الذين أمتحن بهم في بغداد قبيل وفاة أمه مباشرة. يُدعى الى مجلس أحد ادباء وأشراف بغداد ومن ثم يُستفزُّ أو يُطردُ أو يُهانُ. وفي هذا المكان من مؤلم الذكريات ومُشجيها لا يشخص امام بصيرته من المخلوقات إلاّ الأفعى الرقطاء , فإنها تقتل وهي تتبدل بتغييرها لجلدها . القصيدة كثيفة بمشاعر الحزن والخوف ووميض العتاب وشرارات الحنق والملل والسأم صاغها الشاعر الكفيف فأبدع الصياغة ما سمحت له حالته الجسمانية والنفسانية وقساوة ظرف عماه. والعجيب أن المعري لم يكن يتذكر الا اللون الأحمر من بين سائر الألوان المعروفة. خلاصة القول: طالما أن القصيدة محددة الغرض - وهي هنا رثاء - فيجب أنْ ينصّبَ النقدُ العام على موضوع القصيدة الخاص. وتقويم بضعة أبيات منها من وجهات نظر اخرى لا تمتُّ لموضوع القصيدة بصلة, مهما بدا هذا التقويم ضروريا من وجهة نظر علم الجمال, فإنه لا يُغني بأية حال عن النقد المنصب على مجمل القصيدة كبناء موحد متكامل. والجزء لا يلغي الكل, بل وحتى لا يعوض عنه.



توقيع :  وليد

 

قمرٌ تغزلتْ النجومُ بحسنِه .... وسبورة .. فيها كل حســـــــــنٍ يفتــــــن
هي فرحةٌ غنت بها أيامها .... نشــــــــــوانةٌ تشـــــدو بها وتُلَــــــــحنُ
عانقتُ فيكِ يا حياتي فرحتي ..... يا من بروحي في فؤادي تســـــــــكن
في مهرجان الحسنِ وجهك مـشرق ... وخطى النجاح من دربك تتمكن
فامضِ رعـــــــاك الله لا تتهاوني ..... ما فاز في اللــــــــــذات إلا متقن

شعر : وليد الصالح

وليد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-10-2011, 04:23 PM   #52
وليد وليد غير متواجد حالياً
عضو شرف

بيانات :- وليد
وليد is on a distinguished road
 
افتراضي

قفص العظام


تتكون قصيدة الجواهري من ثلاثة وثلاثين بيتا جرى فيها وزنا وقافية مجرى مرثية أبي العلاء المعري لأمه (10), سوى أن الجواهري قد خاطب أمه اذ كانت ما زالت على قيد الحياة, الا أن " شعورا مأتميا خيم عليه, فلما أستقل السيارة مرتحلا هطلت دموعه وثارت في نفسه عوامل الحنو ودار فيها أنه قد يكون يشاهد أمه للمرة الأخيرة..." (13). اذن فمن حقنا اعتبار القصيدة قصيدة رثاء, والرحمة للموتى والأحياء على حد سواء.
لقد وظف الجواهري- بعد المعري - الميم المكسورة بعد الألف رويا لقافيته لتعبر عن نفس كسيرة ومزاج مأزوم حزين وروح أشجاها الهم. في حين استخدم المتنبي حرف الميم المفتوح متبوعا بالألف المقصورة أو الممدودة الأمر الذي ينسجم غاية الأنسجام مع نفسية المتنبي المتعالية ومع كبريائه المعهودة. لم يحنِ ِ المتنبي رأسا لحادثة أو كارثة ولم تدمعْ له عين، لذلك كله نراه لا يجيد الرثاء بصفة عامة وإنْ جوّد في المديح. خلا قصيدتيه اللتين رثى فيهما والدة سيف الدولة وأخته، ففيهن َّ عاطفة حزينة صادقة وعرفان بالجميل ووفاء ما أشد وضوحه (3) .
اذا تعذر اكتشاف تأثير مرثية المعري لأمه على رثاء الجواهري في قصيدته المسماة " قفص العظام " فإنَّ تأثير شعر المتنبي لأكثر من واضح على هذه القصيدة. وذلك للشبه الكبير في بعض نواحي حياة الرجلين والسياق العام لحياتيهما بل ونشأتيهما الأولى. فالنجف هي بيئة الجواهري الأولى وانها شديدة القرب من كوفة أبي الطيب المتنبي. أجل, لقد أخذ الجواهري قسطا لا يستهان به لا من مرثية المتنبي لجدته ولكن من قصيدة " من الحِمام الى الحِمام " التي قالها المتنبي في مصر في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة للهجرة بعد اصابته بالحمى التي يطابق وصف أعراضها أعراض دورمن ادوار مرض الملاريا المعروف اذ قال:


وملنيَ الفراش ُ وكان جنبي
يملُّ لقاءه في كل عام ِ
عليلُ الجسم ِ ممتنعُ القيام ِ
شديدُ السكر من غير المدام ِ
وزائرتي كأنَّ بها حياءً
فليس تزورُ الا في الظلام ِ
بذلت لها المطارف والحشايا
فعافتها وباتت في عظامي
يضيق الجلد عن نفسي وعنها
فتوسعه بأنواع السقام ِ
أراقب وقتها من غير شوق
مراقبةَ المشوقِ المستهام ِ
ويصدق وعدها والصدق شرٌّ
إذا ألقاك في الكُرب العظام ِ
أبنتَ الدهر عندي كل بنتٍ
فكيف وصلتِ أنتِ من الزحام ِ
جرحتِ مُجرَّحاً لم يبقَ فيه
مكانٌ للسيوف ولا السهام ِ
يقول لي الطبيب أكلت شيئاً
وداؤك في شرابك والطعام ِ
وما في طبّه أني جوادٌ
أضرَّ بجسمه طولُ الجمام ِ
فإنْ أمرضْ فما مرض إصطباري
وإنْ أحممْ فما حمَّ إعتزامي


لقد رثى المتنبي نفسه حيا في هذه الرائعة حيث حذا الجواهري حذوه في رثاء والدته وهي على قيد الحياة. والمقارنة التحليلية فيما بين القصيدتين تبين أن الجواهري قد أخذ من قصيدة المتنبي هذه إحدى وعشرين قافية أدخلها كقواف في قصيدته البالغة ثلاثة وثلاثين بيتا فقط, اي أن الجواهري استعار ثلثي قوافي قصيدته من إحدى قصائد أستاذه ورائده المتنبي . واكثر من هذا, فلقد وظف بعض صور وإستعارات المتنبي نصا أو يكاد. وللمقارنة أورد الأمثلة الأتية :
قال المتنبي :


فأني أستريح بذي وهذا
وأتعب بالأناخة والمُقام ِ


فجاراه الجواهري في عجز هذا البيت اذ قال :


تعالى المجد يا قفصَ العظامِ
وبورك في رحيلك والمقام ِ


فهناك الإناخة والمُقام وهنا الرحيل والمقام . ثم قال المتنبي :


قليلٌ عائدي سَقِمٌ فؤادي
كثيرٌ عائدي صعب مرامي


فقال الجواهري :


ولكنْ مهجة ً عظمت فجلّتْ
وجلَّ بها المرومُ عن المرام ِ


وقال المتنبي :


فأُمسِك لا يُطالُ له فيرعى
ولا هو في العليق أو اللجام ِ


فقال الجواهري :


وفي صدري تجول مُسوَّماتٌ
من البلوى عصينَ على اللِجام ِ


وما مُسوَّمات الجواهري سوى خيول المتنبي الذي شبه نفسه وهو في كنف كافور الإخشيدي في مصر كالحصان الحائر المغلوب على أمره فلا هو بالطليق الحر الذي يستطيع أن ياكل ويرعى على هواه ولا هو بالسجين المقيد والمكبل بالأصفاد .
ويقترب الجواهري أكثر من المتنبي اذ يقول :


وأُمّات المطامح في ضلوعي
حواشدُ يضطربن من الزَحام ِ


في حين كان المتنبي أكثر إبداعاً حين وظّف كلمة الزحام إذْ قال مخاطبا الحُمّى التي أصابته في مصر :


أبنتَ الدهر عندي كلُ بنتٍ
فكيف وصلتِ أنتِ من الزحام ِ


لاحظ الجمال الصوتي المتأتي من ترادف التائين الطويلتين في كلمتي وصلت وأنت. لقد أخفق الجواهري في صورته اذ أن الحشود لا تضطرب عادة من شدة الزحام, بل على النقيض من ذلك, فالزحام يقيد الحركة ويحد من زخمها وشدتها. ثم اجتماع حرفي الضاد والطاء في الفعل يضطربن أمر لا تسيغه أذن العرب . ولقد ألمح المعري الى شيء قريب من هذا حيث أشار الى استحالة ائتلاف حرفي الذال والظاء فقال (14 ) :


فلستَ لهم وإنْ قربوا أليفاً
كما لم تأتلفْ ذالٌ وظاءُ


ثم قال أبو الطيب :


ملومُكما يجلُّ عن الملامِ
ووقعُ فِعالهِ فوق الكلام ِ


فقال الجواهري :


وضوّتْ من جبينك لي غضونٌ
بها يُغني الزمانُ عن الكلام ِ


وكلاهما قد قصد الى عجز الكلام عن بلوغ قصد معين أو مأرب محدد. ففي حين ذهب المتنبي الى أن أفعال ممدوحه لعظمتها لا يمكن أن يطالها أو أن يصفها كلام أراد الجواهري أن يقول أن الغضون التي تركها على جبهتها العمر وكر السنين لا تحتاج الى تفسير وشروح ولا يلزمها سؤال وجواب ، فالزمان أوضح من أن يعبَّر عنه بالكلام ، والزمان ليس بحاجة الى ترجمان.
وقال أبو الطيب :


أقمتُ بأرض مصرَ فلا ورائي
تخبُّ بيَ الركابُ ولا أمامي


فقال الجواهري :


وكنتِ السمعَ مني لا ورائي
سواك صدى يرنُّ ولا أمامي


وهنا الإستعارة من الوضوح بحيث لا تتطلب المزيد من الإيضاح إنْ فكرة ً أو لفظا ً. لاحظ بشكل خاص " لا ورائي " و" لا أمامي " من حيث موقعيهما سواء في صدر البيت أو في عجزه.
قال المتنبي لطبيبه معاتبا ونافيا أثر الطعام والشراب على صحته ومؤكدا أنَّ إنحراف صحته يقع في دائرة الطب النفساني كما نسميه اليوم ويقرر أنَّ هذا الطبيب يجهل المرض النفساني الذي وقع المتنبي فيه وهو في مصر فقال :


يقول لي الطبيبُ أكلتَ شيئا
وداؤكَ في شرابكَ والطعام ِ
وما في طبّه أني جوادٌ
أضرَّ بجسمه طولُ الجمامِ


فالراحة غير الضرورية هي إقامة قسرية تفرض عقوبة على المرء وأمرها مريب: أن يبقى الإنسان دونما عمل يأكل ويشرب وينام. وذلك كله مدعاة لإنحراف صحة الرجل وسقمه الروحي قبل الإعتلال البدني. فالإستجمام المطوَّل دون مبرر والمفروض بأمر من الأعلى لمما يضير الروح ومن ثم يضر بالجسد.
فما قال الجواهري بصدد ما قد يصيب الإنسان من أضرار جرّاء ما ينال من راحة وإستجمام ؟
انه قال مخاطبا أمه الشيخة الكبيرة التي أتعبها الزمن وما جرّته السياسة على العائلة من تشرّد متصل وحرمان منوَّع أصاب الجواهري نفسه.. الى مصرع شقيقه جعفر عام 1948 :


ويا متعوبةً قلباً وروحاً
أخاف عليك عاقبةَ الجمام ِ


فإذا أضرَّ الجمام بجسم المتنبي وبروحه فإنَّ الجواهري يخاف على أمه من عواقب طول زمن الراحة فيحذرها بأدب جم ولكن بأسلوب غير مباشر, عن طريق ألإعراب عن مخاوفه الشخصية خاصة وأنها تعبى قلبا وروحا ـ وكل أمهاتنا متعبات ـ قلبا ً أوجسدا ً أو روحاً. فلنتابع تأثيرات المتنبي الجبّار على تلميذه الجواهري. قال أبو الطيب :


جرحتِ مُجرَّحاً لم يبق َ فيه
مكانٌ للسيوف ولا السهام ِ


فقال الجواهري :


فليس يطيقُ سهماً مثلَ هذا
فؤادي وهو مرتكزُ السهامِ


فأبدع المتنبي في استعارته المصوَّرة من حيث كبا الجواهري فأخفق في تصوير القلب اذ جعله مكانا تستقر فيه السهام. فإذا كان الأمر كذلك فلِمَ لا يطيق سهما ً واحدا ً إضافيا ً ؟ فالمرتكز مقتدر لا ريب. الإنسجام في بيت المتنبي واضح شديد الوضوح بين الصدر والعجز، وبين اللفظ والمعنى.
قلت آنفا إنَّ الجواهري أخذ في هذه القصيدة إحدى وعشرين قافية مع كامل رويّها من قصيدة المتنبي " من الحِمام الى الحِمام ". فما هي هذه القوافي؟ إنها عدّاً: اللجام العظام ابتسام الظلام الطعام المرام المقام الكلام الملام همام الزمام السهام الحسام أمامي الجمام الحمام الأنام السقام الزحام الغمام الوسام .
رغم تشابه الكثير من القوافي وبعض الإستعارات والصور تظل قصيدة الجواهري متفردة ببعض الخصائص والمزايا. تظل دافئة حنونا وتظل شامخة في إجلالها للوالدات وفي أسلوب مخاطبتهن :


تعالى المجدُ يا قفصَ العظام ِ
وبورك في رحيلكِ والمقام ِ
ونوّرت ِ الدروبَ لساكنيها
وعدتِ من السواد الى ظلام ِ
حججت ُ إليك والدنيا تلاقي
عليكِ بكل قاصمة ٍ عَقامِ
ورفّت في نديف ٍ من مشيبٍ
ذوائبُ لم ترفَّ على أثامِ ِ
وطفتِ بخاطري حتى تمشى
حنانك مثل بُرءٍ في سَقامِ ِ
فيا شمسي إذا غامت حياتي
نشدتك ضارعا ألآّ تغامي
ويا مكفوفة ً عن كل ضرٍ
نشدتك أن تكفي عن ملامي
وليس رضيعُ ثديك بالمُجاري
وليس ربيبُ حجرك بالمُظام ِ


فإذا إمتازت هذه القصيدة بجو مفعم بالحنان والإكبار للأم ملجأ وملاذا ً نفسانيا ً يلتجيء اليه الرجال وقت الملمات أو اذا ما أصاب احدهم مكروه لرفع المعنويات وازالة غم النفوس وما يحيق بها من ضيم.., اذا امتازت بكل هذا وسواه فان قصيدة المتنبي في رثاء جدته لا تكاد تستوي مع قصيدة الجواهري. فقصيدة " ولا قابلا إلا لخالقه حكما " (3) تقع في أربعة وثلاثين بيتا, ثلاثة عشر بيتا منها ( الأبيات الأخيرة ) في تعظيم الذات ومداراة الغرور الشخصي المعروف في
المتنبي حتى ( وجعل قوم يستعظمون ما قاله في آخر هذه القصيدة ). أما باقي الشعر فيتفاوت بين الرثاء وهوقليل وبين إقرار حِكَم عامة واستسلام مطلق للقدر :



ألا لا أري الأحداثَ مدحاً ولا ذمّا
فما بطشها جهلاً ولا كفّها حِلما
أحنُّ الى الكأس التي شربت بها
وأهوى لمثواها التراب وما ضما
بكيت عليها خيفةً في حياتها
وذاق كلانا ثكل صاحبه قِدْما
هبيني أخذت الثأر فيك من العدى
فكيف بأخذ الثأر فيكِ من الحمى
وما انسدت الدنيا عليَّ لضيقها
ولكنَّ طرفاً لا أراك به أعمى
تغرّبَ لا مستعظماً غيرَ نفسهِ
ولا قابلاً إلاّ لخالقه حُكما


ولعل من الطريف أن نقارن بين موقفين متفاوتين قيلا في مناسبتين متشابهتين. المتنبي في بغداد ولا يستطيع دخول الكوفة فيكتب رسالة لجدته يسألها أن توافيه الى بغداد فتموت دون أن يراها فيكتب فيها شعر رثاء يحن فيه الى كأس المنون ، ذات الكأس التي شربت منها جدته. انه يتمنى فقط أن يموت في إثر جدته و يقرر أنه عاجز عن أن يأخذ لها الثأر من المرض الذي أصابها وأنه يعترف بأن الدنيا على سعتها قد ضاقت به جزعا من المصاب الأليم حتى أنه عاد يتمنى أنْ لو فقد بصره العاجز عن رؤية هذه الجدة.
أما استجابة المعري للمصيبة التي لحقت به نتيجة وفاة والدته فانها مختلفة بشكل جذري. المِعرّي هنا لا يطيق الحياة بدون والدته. هو هنا طفل لا رجل حتى إنه يتمنى أنْ لو مات قبلها. يتمنى بكل تواضع الطفل التابع وبرائته ووفائه واخلاصه للدم والرحم :


وأمّتني الى الأجداث أمٌ
يعزُّ عليَّ أنْ سارت أمامي
وأُكبرُ أن يرثّيها لساني
بلفظٍ سالكٍ طرق الطعام ِ


تقرأ البيت الأول فتحس حرارة صادقة وتعلق بالأمومة لا مثيل له لدى الرجال ولا غرابة, فالرجل مكفوف البصر والرجل عازب لا زوج له وأمه له كل شيء. أؤكد : أمه وليست جدته لأمه كما هي الحال مع المتنبي الذي تمنى فقط أن يموت في إثر جدته و يقرر أنه عاجز عن أن يأخذ لها الثأر من المرض الذي
أصابها وإنه يعترف بأن الدنيا على سعتها قد ضاقت به جزعا من المصاب الأليم حتى أنه عاد يتمنى أنْ لو فقد بصره العاجز عن رؤية هذه الجدة. القصيدة بشكل عام نظم جيد وصياغة وصناعة لفظية ليس فيها من العاطفة والشعور الا النزر اليسير. ثم إنها مناسبة للتفاخر وتمجيد الذات وتسريب روح التعالي والأستعلاء والبطولات.


نواصل قراءة قصيدة أبي العلاء المِعرّي :


وأمّتني الى الأجداث أمٌ
يعز عليَّ أنْ سارت أمامي
وأُكبرُ أن يرثّيها لساني
بلفظٍ سالكٍ طرقَ الطعام ِ
مضتْ وقد اكتهلتُ فخلت أني
رضيعٌ ما بلغتُ مدى الفطامِ ِ
فيا ركبَ المنون أما رسولٌ
يُبلِّغُ روحَها أرَجَ السلام ِ ؟ِ


إنه ليود أن يبعث اليها سلاما مع قوافل الموتى والراحلين. بل ويطمح في لقاء مع أمه :


سألتُ متى اللقاء فقيل حتى
يقومَ الهامدون من الرجامِ ِ
فصرّفني فغيّرني زمانٌ
سيعقبني بحذفٍ وأدّغام ِ


لاحظ صدق العاطفة مع استسلام كامل للقدر لا يجرؤ على مواجهته الا بالتمنيات الصادقة التي ينفطر القلب لها أسى ولوعة.
ملاحظة أخيرة عن الجواهري هي أنه في أكثر قصائده شهرة قد أخذ الوزن والقافية (بل والكثير من الصور والتشبيهات والإستعارات والمطابقات) من قصائد سواه من الشعراء. ولكي لا أظلم الرجل أذكر مثالين فقط آخرين وأترك الحكم لغيري ممن يعنيهم الأدب والنقد والتأريخ .
المثال الأول: قصيدة الجواهري الشهيرة " يا دجلة الخير " التي نظمها شتاء 1962 اثر مغادرته العراق مضطرا (15). فلقد حذا فيها حذو الشاعر العراقي المرحوم معروف الرصافي في قصيدته " بعد النزوح " وكان قد نظمها في بيروت عام 1922 بعد خروجه من بغداد وقراره في أن لا يعود الى العراق ثانية (16) ومطلعها :



هي المواطنُ أدنيها وتقصيني
مثل الحوادث أبلوها وتبليني
أنا ابنُ دجلةَ معروفاً بها أدبي
وإنْ يكُ الماء منها ليس يرويني
قد كنت بلبلها الغرّيدَ أنشدها
أشجى الأناشيد في أشجى التلاحينِ ِ
حيث الغصونُ أقلتني مكللة ً
بالورد ما بين أزهار البساتين ِ


الى آخر القصيدة. أما مطلع قصيدة الجواهري " يا دجلة الخير " فهو :


حييت سفحك عن بُعد ٍ فحييني
يا دجلة َ الخير يا أمَّ البساتين ِ


القصيدة طويلة جداً.
أما المثال الثاني : فقصيدة الجواهري التي طبقت الآفاق بشهرتها وعنوانها " أخي جعفر " ومطلعها :


أتعلمُ أم أنت لا تعلمُ
بأنَّ جراحَ الضحايا فمُ


التي أخذ وزنها وقوافيها من قصيدة قديمة ذكرها المسعودي (18) لمحمد بن يزيد بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان في وصف خيل الحلبة العشرة ومطلعها :


شهدنا الرهانَ غداة الرهانِ
بمجمعةٍ ضمّها الموسمُ
نقودُ اليها مقاد الجميع
ونحن بصنعتها أقومُ
غدونا بمقوودة كالقداح
غدت بالسعود لها الأنجمُ
مقابلة نسبة في الصريح
نماهنَّ للأكرم ِ الأكرمُ


وهي كذلك قصيدة طويلة وجديرة بأن تسترعي إنتباه الأدباء وعشاق الخيول على حد سواء .



توقيع :  وليد

 

قمرٌ تغزلتْ النجومُ بحسنِه .... وسبورة .. فيها كل حســـــــــنٍ يفتــــــن
هي فرحةٌ غنت بها أيامها .... نشــــــــــوانةٌ تشـــــدو بها وتُلَــــــــحنُ
عانقتُ فيكِ يا حياتي فرحتي ..... يا من بروحي في فؤادي تســـــــــكن
في مهرجان الحسنِ وجهك مـشرق ... وخطى النجاح من دربك تتمكن
فامضِ رعـــــــاك الله لا تتهاوني ..... ما فاز في اللــــــــــذات إلا متقن

شعر : وليد الصالح

وليد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 30-10-2011, 05:08 AM   #53
وليد وليد غير متواجد حالياً
عضو شرف

بيانات :- وليد
وليد is on a distinguished road
 
افتراضي

إيّاكَ والخمرَ، فهي خالبةٌ،

غالبةٌ، خابَ ذلك الغَلَبُ
خابيةُ الرّاح ناقةٌ حفَلَت،

ليس لها، غيرَ باطلٍ، حلَبُ
أشأمُ من ناقةِ البَسوس على النا

سِ، وإن يُنَلْ عندها الطلب
يا صالِ، خَفْ إن حلَبت دِرّتها،

أن يترامى بدائِها حَلَبُ
أفضلُ مما تضمُّ أكؤسُها،

ما ضُمّنتَه العِساسُ والعُلَبُ



وليد



توقيع :  وليد

 

قمرٌ تغزلتْ النجومُ بحسنِه .... وسبورة .. فيها كل حســـــــــنٍ يفتــــــن
هي فرحةٌ غنت بها أيامها .... نشــــــــــوانةٌ تشـــــدو بها وتُلَــــــــحنُ
عانقتُ فيكِ يا حياتي فرحتي ..... يا من بروحي في فؤادي تســـــــــكن
في مهرجان الحسنِ وجهك مـشرق ... وخطى النجاح من دربك تتمكن
فامضِ رعـــــــاك الله لا تتهاوني ..... ما فاز في اللــــــــــذات إلا متقن

شعر : وليد الصالح

وليد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 30-10-2011, 05:17 AM   #54
وليد وليد غير متواجد حالياً
عضو شرف

بيانات :- وليد
وليد is on a distinguished road
 
افتراضي

من ليَ أن أقيمَ في بلدٍ،

من ليَ أن أقيمَ في بلدٍ،
أُذكَرُ فيه بغير ما يجبُ
يُظَنُّ بيَ اليُسرُ والديانةُ والعلـ
ـلمُ، وبيني وبينها حُجُبُ
كلُّ شهوري عليّ واحدةٌ،
لا صَفَرٌ يُتّقى ولا رجبُ
أقررْتُ بالجهل، وادّعى فَهَمي
قومٌ، فأمري وأمرُهم عجَبُ
والحقُّ أني وأنهم هدرٌ،
لستُ نجيباً، ولا همُ نُجُبُ
والحالُ ضاقتْ عن ضمِّها جسدي؛
فكيف لي أن يضمّه الشَّجَبُ؟
ما أوسعَ الموت، يستريح به الجسـ
ـم المعنّى، ويخفتُ اللَّجَبُ



وليد



توقيع :  وليد

 

قمرٌ تغزلتْ النجومُ بحسنِه .... وسبورة .. فيها كل حســـــــــنٍ يفتــــــن
هي فرحةٌ غنت بها أيامها .... نشــــــــــوانةٌ تشـــــدو بها وتُلَــــــــحنُ
عانقتُ فيكِ يا حياتي فرحتي ..... يا من بروحي في فؤادي تســـــــــكن
في مهرجان الحسنِ وجهك مـشرق ... وخطى النجاح من دربك تتمكن
فامضِ رعـــــــاك الله لا تتهاوني ..... ما فاز في اللــــــــــذات إلا متقن

شعر : وليد الصالح

وليد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 30-10-2011, 05:24 AM   #55
وليد وليد غير متواجد حالياً
عضو شرف

بيانات :- وليد
وليد is on a distinguished road
 
افتراضي

ما الثريّا عنقودُ كرمٍ مُلاحـ


أبوالعلاء المعري

الثريّا عنقودُ كرمٍ مُلاحـ
ـيٌّ، ولا الليلُ يانعٌ غِربيبُ
ونأى عن مُدامةٍ، شفقَ التغـ
ـريبِ، فليتّقِ المليكَ اللبيبُ
طالَ ليلٌ، كأنّما قتلَ العقـ
ـربَ ساطٍ، فغابَ عنها الدّبيب
سلكَ النّجدَ، في قِطار المنايا،
قَطَرِيٌّ، ونَجدةٌ، وشَبيبُ
شبّ فِكرُ الحصيفِ ناراً فما يحـ
ـسُنُن، يوماً، بعاقل، تشبيبُ
أين بقراطُ، والمقلِّدُ جاليـ
ـنوسَ؟ هيهاتَ أن يعيشَ طبيبُ
سُبّبَ الرّزقُ للأنام، فما يقـ
ـطعُ، بالعجز، ذلك التسبيب
وجرى الحتفُ بالقضاءِ، فما يسـ
ـلَمُ ليثٌ، ولا غزالٌ ربيب
يطلُعُ الوافدُ المبغَّضُ، والعيـ
ـشُ، إلى هذه النفوس، حبيب
خَبَّبَتْها عليه نُكدُ الرزايا،
فنبا، عن قلوبها، التّخبيب



وليد



توقيع :  وليد

 

قمرٌ تغزلتْ النجومُ بحسنِه .... وسبورة .. فيها كل حســـــــــنٍ يفتــــــن
هي فرحةٌ غنت بها أيامها .... نشــــــــــوانةٌ تشـــــدو بها وتُلَــــــــحنُ
عانقتُ فيكِ يا حياتي فرحتي ..... يا من بروحي في فؤادي تســـــــــكن
في مهرجان الحسنِ وجهك مـشرق ... وخطى النجاح من دربك تتمكن
فامضِ رعـــــــاك الله لا تتهاوني ..... ما فاز في اللــــــــــذات إلا متقن

شعر : وليد الصالح

وليد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-11-2011, 03:15 AM   #56
وليد وليد غير متواجد حالياً
عضو شرف

بيانات :- وليد
وليد is on a distinguished road
 
افتراضي

أبو العلاء المعري

كأنّني راكبُ اللُّجّ، الذي عصفَتْ
رياحُهُ، فهو في هَوْلٍ وتمويجِ
وفي طِباعِكَ زَيْغٌ، والهلالُ، على
سُمُوّهِ، حِلْفُ تقويسٍ وتعوج
فزِنْ، من الوزن، لفظاً، حينَ تُرسِله،
وزنْ، من الزّين، إعطاءً بترويج
وانظر إلى نفسكَ اللَّومى بمنظرِها،
ولو غَدَوتَ أخا مُلكٍ وتتويج
واطلُب لبنتك زوجاً كي يُراعِيهَا،
وخوّفِ ابنَك من نسلٍ وتزويج
ما اليسر كالعُدم في الأحكام، بل شحطت
حالُ المياسيرِ عن حالِ المحاويجِ



وليد



توقيع :  وليد

 

قمرٌ تغزلتْ النجومُ بحسنِه .... وسبورة .. فيها كل حســـــــــنٍ يفتــــــن
هي فرحةٌ غنت بها أيامها .... نشــــــــــوانةٌ تشـــــدو بها وتُلَــــــــحنُ
عانقتُ فيكِ يا حياتي فرحتي ..... يا من بروحي في فؤادي تســـــــــكن
في مهرجان الحسنِ وجهك مـشرق ... وخطى النجاح من دربك تتمكن
فامضِ رعـــــــاك الله لا تتهاوني ..... ما فاز في اللــــــــــذات إلا متقن

شعر : وليد الصالح

وليد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-11-2011, 01:17 PM   #57
وليد وليد غير متواجد حالياً
عضو شرف

بيانات :- وليد
وليد is on a distinguished road
 
افتراضي

هُياماً يَصيرُ الجسمُ في هامد الثّرى،
فَما بالُكمْ بالآلِ يخدعُ هُيّامَا؟
أرُوّامَ أمرٍ لا يصِحُّ جهِلتُمُ،
كأنّكُمُ لستمْ عنِ الأرض رُيّاما
وكم شيمَ، في غِمدٍ من التُّربِ، صارمٌ
وكان لبَرْقِ الغَيثِ والغِمدِ شيّاما
وهَتّكَتِ الأقدارُ، بعدَ صيانَةٍ،
أيامَى نساءٍ ما تخوّفنَ أيّاما
وعامَ أُناسٌ في بحارٍ من الرّدى،
وأمسوا إلى نَزرٍ من الرِّسل عُيّاما
بنَيتُمْ على الأمرِ القَبيحِ خِيامَكمْ،
وأُلفيتُمُ عن صالحِ الفعلِ خُيّاما
فيا ما أضلّ الناسَ عن سبُل الهدى،
وللدّهرِ لم يتركْ إيَاماً ولا ياما

أبو العلاء المعري




وليد



توقيع :  وليد

 

قمرٌ تغزلتْ النجومُ بحسنِه .... وسبورة .. فيها كل حســـــــــنٍ يفتــــــن
هي فرحةٌ غنت بها أيامها .... نشــــــــــوانةٌ تشـــــدو بها وتُلَــــــــحنُ
عانقتُ فيكِ يا حياتي فرحتي ..... يا من بروحي في فؤادي تســـــــــكن
في مهرجان الحسنِ وجهك مـشرق ... وخطى النجاح من دربك تتمكن
فامضِ رعـــــــاك الله لا تتهاوني ..... ما فاز في اللــــــــــذات إلا متقن

شعر : وليد الصالح

وليد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-11-2011, 01:23 PM   #58
وليد وليد غير متواجد حالياً
عضو شرف

بيانات :- وليد
وليد is on a distinguished road
 
افتراضي

أبو العلاء المعري


رَغِبْنا في الحياةِ لفرط جهلٍ،
وفقدُ حياتِنا حظٌّ رغيبُ
شكا خُزَز حوادثها، وليثٌ،
فما رُحمَ الزّئيرُ، ولا الضغيبُ
شَهدْتُ، فلم أُشاهد غيرَ نُكرٍ،
وغيّبني المنى، فمتى أغيبُ؟




.......................................


إصفحْ، وجاهر، بالمرادِ، الفتى؛
ولا يقولوا هو مغتابُ
إن رابنا الدّهرُ بأفعاله،
فكلُّنا، بالدهر، مرتابُ
فاعفُ، ولا تعتب عليه، فكم
أودى به عوفٌ وعتّابُ
لو ضُرِبَ الغاوون بالسيف، لا
بالسوط، حدُّ الخمرِ ما تابوا
تلك من اجتابَت له صورةٌ،
فهو، لسُخط اللَّهِ، مجتابُ
نمنا على الشَّيبِ، فهل زارنا
طيفٌ، لأصل الشرخ، منتابُ؟
هيهاتَ لا تحمِلُه، نحونا،
سروجُ أفراسٍ، وأقتابُ




وليد



توقيع :  وليد

 

قمرٌ تغزلتْ النجومُ بحسنِه .... وسبورة .. فيها كل حســـــــــنٍ يفتــــــن
هي فرحةٌ غنت بها أيامها .... نشــــــــــوانةٌ تشـــــدو بها وتُلَــــــــحنُ
عانقتُ فيكِ يا حياتي فرحتي ..... يا من بروحي في فؤادي تســـــــــكن
في مهرجان الحسنِ وجهك مـشرق ... وخطى النجاح من دربك تتمكن
فامضِ رعـــــــاك الله لا تتهاوني ..... ما فاز في اللــــــــــذات إلا متقن

شعر : وليد الصالح

وليد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-11-2011, 09:03 AM   #59
وليد وليد غير متواجد حالياً
عضو شرف

بيانات :- وليد
وليد is on a distinguished road
 
افتراضي

يا من تقرا كلامي = وعسى ايامنا وايامك دوم فرح

واغلا تحية لمن فرح دوم ايامي = وانامعه انسى الهم ويشفى الجرح

تحية مغطاة باحلا حب وسلامي = لي اعضاء جهينة الي موصوف بالمرح

ياما حلا اللقاء وتتحقق الاحلامي = اذا صرت مع من يحبك بلا ترح

سبحان من جعل
العيد بالاسلامي = بعد شهر البر والطاعة اكيد مرح

يفرح المسلم دوم ويكمل الايماني = وينجو من النار والقلب به منشرح

سلام مني على من نجا بالاحساني = احسن كل الي بينه وبين الله وفرح

وعاش حياته اكيد مخالف الشيطاني = وادى الفروض وعالج من جرح

ابشره والله بخير من ربه الرحمني = وديننااكيد هو سبب الخير والمرح

ولا يعيش احد به دوم والله حيراني = وتصير حياته دوم هناء اكيد وشرح

يالله يا جامع الناس وفارج للحزناني = تجمعني مع الغالي ونسعد بلا ترح

وتسعد من صام لله وبني الانساني = وتسهل امورنا وتبعد عنا كل قرح

وكل عام وانتو بخير

تحياتي :الشاعر رانيو اليتيم العراقي


وليد



توقيع :  وليد

 

قمرٌ تغزلتْ النجومُ بحسنِه .... وسبورة .. فيها كل حســـــــــنٍ يفتــــــن
هي فرحةٌ غنت بها أيامها .... نشــــــــــوانةٌ تشـــــدو بها وتُلَــــــــحنُ
عانقتُ فيكِ يا حياتي فرحتي ..... يا من بروحي في فؤادي تســـــــــكن
في مهرجان الحسنِ وجهك مـشرق ... وخطى النجاح من دربك تتمكن
فامضِ رعـــــــاك الله لا تتهاوني ..... ما فاز في اللــــــــــذات إلا متقن

شعر : وليد الصالح

وليد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-11-2011, 10:24 PM   #60
دلع11 دلع11 غير متواجد حالياً
عضو برونزي

بيانات :- دلع11
دلع11 is on a distinguished road
 
افتراضي



لست أحد
لا أحد أغلى منك ، إلا أنك لست أحد .
إن كان يشغلك سهري أغمضي جفنيك على وجهي المتعب ليكن نومك ،
لا تهتمين لحزني
.. الحزن لعبت الشعراء .
أحببتك مرات عدة
..... كان آخرها غداً .
يقولون إنني أشبهك
.. .. لابد أنني أطيل النظر في جمالك .
حبيبتي لفظ يغني عن كل لفظ

من ديوان ومض للأمير بدر بن عبد المحسن



توقيع :  دلع11

 

دلع 11

دلع11 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 04:09 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Alpha 1
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.

تعريب » شبكة عرب فور هوست

upgrade by : tablat.co.cc
 

المواضيع و التعليقات والتعقيبات المنشورة لا تعبر عن رأي " مجلة المعلم  و منتديات السبورة "   ولا تتحملان أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر " تقرير بمشاركة سيئة " أسفل كل تعليق .. أو مراسلة الإدارة على البريد : almualem_s@hotmail.com